تصميم المنصة

ثمن الحجب وحصار الإعلام: نظام بلا قصة يصدقها أحد

يعتقد ذلك الجالس في أروقة الأجهزة حاملًا على الأغلب جهاز سامسونج، أن بإمكانه احتكار التأثير على الناس باحتكار مخاطبتهم، من خلال شراء وسائل الإعلام ودمجها وتدجينها ووضع سياساتها التحريرية.

بالنسبة لوسائل الإعلام المصرية، والتي تحكم الأجهزة السيادية سيطرتها على غالبيتها العظمى، لم يتظاهر أحد ضد الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال الأيام الماضية، بل ما حدث هو أن قناة الجزيرة القطرية ووسائل إعلام تابعة لجماعة الإخوان المسلمين فبركت تسجيلات مصورة قديمة وبثتها لزعزعة استقرار مصر.

لم تكن هذه بطبيعة الحال قصة مقنعة، الناس يتداولون تسجيلات فيديو لمتظاهرين في دمياط يسقطون صورة الرئيس، ومسيرات في الإسكندرية تهتف باسمه أن يرحل، بعد دعوة للتظاهر أطلقها ممثل ومقاول يتحدث عن فساد في عمليات مقاولات حصل عليها من الجيش. قصة أكثر إقناعًا تحولت في مواجهتها قصة وسائل الإعلام المصرية إلى مادة للتندر بين الجمهور.

ومع تكرار فشل الإعلام المدجن في تقديم قصة مقنعة لما يحدث إلى الجمهور، ووسط هذه الأجواء التي تهدد بإعادة فتح المجال العام والذي تحاول الدولة إغلاقه منذ 2013، جرى استدعاء تسجيلات قديمة لإعلامي أغضب "السلطة الجديدة" في مصر عام 2013 حتى ناصبته العداء، وأجبرته على العيش في منفىً اختياري.

فضائية سي بي سي التي أطل منها باسم يوسف في عهد الرئيس الراحل محمد مرسي عام 2012، استعانت يوم أمس بمقطع قديم من برنامج البرنامج كان باسم يسخر فيه من فبركة قناة الجزيرة للتظاهرات المؤيدة للإخوان المسلمين، كدليل دامغ على تورط القناة نفسها في فبركة الاحتجاجات التي حدثت هذا الأسبوع ضد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في القاهرة ومدن أخرى.


على الجانب نفسه ولكن في مكانٍ آخر، تحدث الإعلامي أحمد موسى عن إصلاح الحياة السياسية وتقوية أحزاب المعارضة المصرية، مستضيفًا المرشح الرئاسي السابق موسى مصطفى موسى، والناطق الرسمي باسم حزب الوفد وعضو مجلس النواب بهاء أبو شقة، ورئيس حزب المصريين الأحرار عصام خليل.

لحظات انفتاح غير مألوفة في الإعلام المصري، للتعاطي مع لحظة استثنائية تشهد فيها البلاد للمرة الأولى منذ سنوات حركة احتجاجية في الشارع تطالب رئيس الدولة بالرحيل في مسيرات محدودة تعود بالذاكرة إلى تلك المسيرات التي سبقت جمعة الغضب في 28 يناير 2011. ولكن كيف أسهم غلق المجال الإعلامي أصلًا في الوصول إلى هذه اللحظة سريعًا؟


بدا الأمر مريحًا في البداية، تخلصنا من صداع الإعلام وبرامج التوك شو التي تفتح عيون الناس على حلول للمشاكل عدا تلك التي تطرحها السلطة، ولم يعد للمعارضين منابر يكتبون فيها عن الحقوق والحريات.

بدأت حلقات عزل الإعلام عمّا يجري في مصر في وقت مبكر جدًا؛ في مساء الثالث من يوليو/ تموز 2013 وبالتزامن مع الخطاب الشهير للقائد كانت مدرعات الجيش في مدينة الإنتاج الإعلامي تغلق فضائيات إسلامية لأنها تؤيد الرئيس الذي بات الآن معزولًا.

خلال سنتين، امتد قمع الإعلام متجاوزًا الإسلاميين مؤيدي المعزول المتهمين بالتحريض الطائفي والترويج للعنف، ليطال أولًا الإعلاميين المحسوبين على المعارضة، ثم لحق بعد ذلك بكل من يتمتع بذرة عقل تجعل من تأييده للسلطة فعلًا منطقيًا.

لم يقف الأمر عند ملاحقة الإعلاميين وسجنهم أو إجبارهم على مغادرة البلاد، ولا عند حجب المواقع التي تسبب الصداع، لكننا نتحدث عن سيطرة جذرية على الإعلام. استحواذ بالكامل على مؤسسات كانت تتمتع ببعض الاستقلالية ولديها مساحة للمناورة والحركة وتداول الأخبار، قرارات تحريرية تتخذ في أروقة الأجهزة السيادية وتبلغ عبر جروب مغلق على واتساب، نصوص موحدة للأخبار لا يملك المحرر حيالها سوى تصحيح الأخطاء الإملائية إذا واتته الجرأة.

لم تعد هناك مساحة لأي نقاش جدي يتعلق بالشأن العام، في الانتخابات السابقة نافس الرئيس أحد مؤيديه ولم تجد وسيلة إعلام واحدة ذلك أمرًا مثيرًا للاهتمام، بل تناولت وسائل الإعلام ذلك باعتبار أن لدينا انتخابات تعددية وأن إجراءها نصر للديموقراطية، هذه القصة الرسمية التي لم يصدقها أحد ولم يكن مهمًا أن يصدقها أحد. الأبواب كلها أغلقت والمعلومات باتت شحيحة ومساحة الحركة انعدمت وصوت واحد فقط هو المسموع الآن يحكي قصة واحدة؛ قيادتنا حكيمة، أعداؤنا كثر، نواجه المؤامرة، الإخوان إرهابيون، الحقوقيون مرتزقة، قادة المعارضة المدنية القابعين في السجون "شاركوا جماعة إرهابية على تحقيق أهدافها"، مصر هتبقى قد الدنيا، تحيا مصر.. تحيا مصر.. تحيا مصر.

نجحت السلطة في إخماد الزخم السياسي والإعلامي الذي تلى الثورة، أثّرت بالطبع محاولاتها حجب المعلومات والسيطرة على وسائل الإعلام وبرامج التوك شو. لم يعد للمعارضين منابر يطرحون فيها رؤاهم لما يجري. لا حاجة لأي رؤى أو قصص بديلة، سنمنع الجميع من الكلام وننقل الأخبار الناس بطريقتنا ونمنعهم من التحقق ونؤكد أن ما نطرحه هو الحل الوحيد للإصلاح ومواجهة الأزمة. من اليوم نحن فقط من سيخاطب الناس وبالتالي نحن فقط من سيؤثر عليهم، ثمة من ظن أن هذه معادلة صحيحة في القرن الحادي والعشرين.


تغيرت المعادلة لأن مخاطبة الناس لم تعد حكرًا على السلطة. في السابق كان لا بد أن تشتري الصحيفة لتعرف ما الذي يدور حولك.

قبل الإنترنت كانت الصحف. تحتكر الدولة تقديم المعلومات للمجتمع من خلال صحفها القومية، الصحف الحزبية مملوكة لأحزاب مدجّنة، وحتى إذا ارتفع سقفها عن اللازم أو تجاوزت خطوطًا حمر، يمكن مصادرتها في المطابع.

وضع السياسات التحريرية للصحف في أروقة الأجهزة لا في صالات التحرير ليس وليد هذا العصر، فخلال سنوات وسنوات احتكرت الدولة المعلومات، لديها الصحف ولديها محطات البث الإذاعي ولديها التلفزيون. لزمن طويل احتفظت أخبار الرئاسة مثلًا بمكانها على صدر الصفحات الأولى لكل الصحف حتى وإن كانت أخبارًا بلا قيمة حقيقية كاجتماع الرئيس بأحد نظرائه لبحث الموضوعات ذات الاهتمام المشترك. لا يتعلق الأمر بالأهمية الحقيقية لهذا، بل بضرورة جعله الخبر الأكثر أهمية.

ولكن هذا الاحتكار لم يعد ممكنًا الآن، تحديد أهمية الأخبار أصبح فعلًا تفاعليًا في زمن الإنترنت. اليوم بإمكاننا أن نعرف ما هو الخبر الأكثر قراءة، يمكن أن يكون خبرًا رياضيًا عن محمد صلاح، أو مقال رأي لكاتب مشهور، أو خبر منوعات عن فستان فنانة شهيرة، تتحكم أشياء كثيرة في تحديد الأخبار الأكثر قراءة حسب مزاج المتلقي والمناخ العام والشرائح العمرية وغيرها من العوامل، ولكن لقاء الرئيس بنظيره الجورجي لبحث الموضوعات ذات الاهتمام المشترك لم يكن يومًا هو الأكثر قراءة على أي موقع إخباري تحت أي ظرف.

تغيرت المعادلة لأن مخاطبة الناس لم تعد حكرًا على السلطة. في السابق كان لا بد أن تشتري الصحيفة لتعرف ما الذي يدور حولك. ولأن الدولة احتكرت إصدار الصحف، لم يكن هناك ارتباط بين مصداقية الجريدة وأرقام توزيعها، هذا هو المتاح الوحيد أمام القارئ. أما اليوم أصبحت معرفة ما يجري حول العالم متاحة بضغطة على شاشة هاتفك.

يعتقد ذلك الجالس في أروقة الأجهزة حاملًا جهازه السامسونج، أن بإمكانه أن يقنع الناس بقصته إذا خاطبهم وحده، فاشترى وسائل الإعلام ودمجها ودجنها ووضع سياساتها التحريرية، وسن قانونًا لتنظيم الصحافة والإعلام يليق باتحاد الجمهوريات السوفيتية في أواسط القرن العشرين، ولم يكتفِ بما فيه من صلاحيات فحجب المواقع التي تسبب له الصداع دون أن يملك جرأة الإعلان عن ذلك حتى.

اليوم اكتشف أنه فشل في منع الآخرين من مخاطبة الناس، وأن قصته التي يحاول فرضها فرضًا منذ 2014، لا يصدقها أحد، لأنه اختار أن يحتقر الناس بخطاب إعلامي يحكي قصة رديئة لا تتوفر فيها بديهيات المنطق. لا نطمع في التنوع، ولكن على الأقل خطاب مؤيد متماسك. حتى هذا لم يعد مرحبًا به. ابتعدت لميس الحديدي ومعها يوسف الحسيني وخيري رمضان ومحمود سعد ومعتز الدمرداش، مفسحين المجال لتأييد بلا منطق، لأحمد موسى وعزمي مجاهد ومصطفى بكري ومحمد الباز.

مساحات حرية الصحافة التي انفتحت في 2005 لم تكن منحة من رئيس ديمقراطي بل كانت ضرورة أدركها رئيس كنا ننتقد ضعف إدراكه لما يتغير حوله. لم تكن صدفة أن يبدأ انفتاح الصحف في مصر في العام التالي لدخول الإنترنت فائق السرعة ADSL إلى البلاد.

بات هناك رابط بين المصداقية والتوزيع الذي تغير اسمه اليوم فأصبح الكليكّات. أصبحنا نعرف القيمة الحقيقية للأخبار، واتسعت الخيارات أمام الجمهور، مقال الرأي الذي تمنعه صحيفة ينشره كاتبه على فيسبوك منوهًا إلى أنه مقال ممنوع فيحقق قراءات أعلى من تلك التي كان سيحققها لو أنه نُشر في الصحيفة، تمامًا مثل المقاول الذي لم يجد منبرًا إعلاميًا يتناول قصته المزعومة حول الفساد في عمليات المقاولات التي يحصل عليها من الجيش، فاتجه إلى يوتيوب ليحكي قصته.


لأن الرئيس لا ينشر سنويًا إقرار ذمته المالية في الجريدة الرسمية، كما يلزمه الدستور، ستتمتع حكايات محمد علي بمصداقية وإن لم تكن صادقة.

بغض النظر عن مصداقية ما تحتوي عليه من معلومات، حققت قصة محمد علي انتشارًا واسعًا. يذكر الرجل وقائع محددة بالأسماء والأرقام تؤكد انطباعات في أذهان الناس تكاد ترتقي لدرجة اليقين بأن فسادًا ما يجري في أروقة السلطة. الحكايات التي يرويها محمد علي قد تكون كاذبة، ولكنها في الوقت نفسه قابلة للتصديق إذا ما قورنت بالقصة التي يحكيها إعلام النظام، خاصة وأنها تتعلق بالحديث عن مبانٍ شيّدها بتكليف من القوات المسلحة يسهل التحقق على الأقل من وجودها على الأرض من خلال تطبيق جوجل إيرث.

أسباب عديدة أدت إلى ذلك الانتشار، فالرجل يحظى بمصداقية كونه يتعاون مع الجيش منذ 15 سنةً، وليس من مصلحته أن يلقي بالعائد المادي والمعنوي المترتب على ذلك في سلة المهملات وهو الذي لم يتعاطى العمل السياسي يومًا بل يبحث عن "لقمة العيش"، وتؤكد ذلك حقيقية بديهية وهي أن الجيش تحرّى بالتأكيد عن خلفياته قبل أن يكلفه بالأعمال.

ولأن الرئيس لا ينشر سنويًا إقرار ذمته المالية في الجريدة الرسمية، كما يلزمه الدستور، ستتمتع حكايات محمد علي بمصداقية وإن لم تكن صادقة. ولكن الأهم من ذلك كله، أن تفريغ الإعلام من جوهره ومضمونه والذي وصل إلى إبعاد العقلانيين من المؤيدين، جعل من القصة المضادة لخطاب محمد، قصة مرتبكة خائبة مثيرة للشفقة والسخرية، ما تطلب ظهور الرئيس بنفسه للرد، لينزلق بمقام الرئاسة إلى مستوى التعاطي مع مقاول منشق.

راهن الرئيس أنه إذا أخبر المصريين أنه بنى القصور الرئاسية الجديدة من أجل مصر لا من أجله هو، سيجدونها قصة معقولة، مثلما راهن قبل سنوات على أن منظمة العفو الدولية لم تمانع أن يجري الجيش كشوف عذرية لمتظاهرات معتقلات إذا كان السبب حماية ضباطه من دعاوى اغتصاب محتملة.

قبل الأزمة الأخيرة لم يكن إقناع الناس بصدق سردية السلطة لما يجري في البلاد أمرًا مهمًا، خاصة مع إحكام السيطرة على الأحزاب السياسية وحبسها داخل مقارها وحبس كل من يُحتمل أن يكون منافسًا محتملًا في أي لحظة ثم السيطرة على الإعلام. ولكن مع تفاعل الناس وامتدادهم إلى الشارع حتى بدون قيادات حزبية مسيسة، بدت "السردية المتماسكة" للسلطة أمرًا مهمًا يمكنه بالفعل أن يحد من حركة الناس، لأن الخوف وحده لا يعمل كثيرًا.


اقرأ أيضًا: انفتاح شكلي في إعلام الدولة: عرض مشاكل المواطنين دون انتقاد الوزير


يتعلق الأمر بالإدراك. تمر أزمنة يشعر الناس فيها بعجزهم عن تغيير ظروفهم السيئة، ويستمتع من في السُلطة بالحفاظ على مكانه دون رقابة من المؤسسات أو صداع من وسائل الإعلام . ولكنها في النهاية متعة مخادعة، لأن الاستناد إلى قوة الأمر الواقع والاعتماد على إعلاميين يرددون قصة لا يصدقها أحد، لا يستمر طويلًا.