أحد الأسواق الشعبية في القاهرة. الصورة: ايف ليتساندرز- فليكر، مفتوحة المصدر

لماذا يقفز الناس من قطار النمو الاقتصادي؟

تتحدث وزيرة التخطيط عن أن بلادنا حققت أعلى معدل للنمو الاقتصادي في 11 عامًا، بعد بضعة أسابيع من حادث قفز بائعين جائلين من القطار أثناء تحركه، ومصرع واحد منهما بسبب عدم قدرتهما على دفع رسوم التذكرة.

يثير التقارب الزمني للمشهدين الكثير من الحيرة، لكن هذه الدهشة تتبدد على الفور عندما تقرأ تحليلات الخبراء عن بيانات مسح سوق العمل لعام 2018، الصادر عن منتدى البحوث الاقتصادي بالتعاون مع الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.

ما تُظهره البيانات الرسمية يؤكد أن نمونا الاقتصادي لا يخلق الوظائف الكريمة للكثيرين، كما أن شبكة الحماية الاجتماعية لم تكن كافية لوقاية آلاف الأسر من صدمات التضخم خلال الفترة الماضية.

ويلخص الاقتصادي المصري البارز، راجي أسعد، ما تظهره لنا بيانات سوق العمل في عبارة موجزة وكاشفة "هل هذا التعافي في النمو الاقتصادي تمت ترجمته إلى وظائف أفضل للعمالة المصرية ( .. ) الإجابة القصيرة ليس بعد".

وأسعد هو أستاذ في مجال التخطيط والشؤون العامة في معهد همفري في جامعة مينيسوتا.

استنتاجات أسعد جاءت في واحدة من الأوراق البحثية التي نشرها منتدى البحوث الاقتصادية حول نتائج مسح سوق العمل، والتي سنعرض تفاصيلها بإيجاز في الفقرات التالية.

يرى أسعد أن كمّ وجودة الوظائف استمر في التراجع خلال السنوات الأخيرة.

بالنسبة للكم، فإن أسعد يشير إلى أن انخفاض معدلات البطالة خلال سنوات ما يسمى بالإصلاح الاقتصادي جاء مدفوعًا بتباطوء نمو حجم قوة العمل وليس زيادة التشغيل.

يقول أسعد "على عكس أشكال التعافي السابقة؛ فإن حجم التشغيل، كما يقاس بهامش التشغيل إلى السكان، أو بصورة أبسط معدل التشغيل، لم يستجب بعد للتعافي في النمو. معدل التشغيل في الواقع انخفض بشكل مستمر منذ آخر قمة له في 2010. معدل التشغيل في 2018، وفقًا لبيانات مسح القوى العاملة الرسمي، كان يقل بأكثر من 8.5% عن مستوياته في 2010".

ماذا عن جودة الوظائف؟ والمقصود بهذا الاصطلاح مدى تأمين الوظائف لشروط العمل الكريم الذي يحقق الأمان الاجتماعي ويقدم الأجر الملائم لتكاليف المعيشة.

يقول أسعد إن معدلات النمو القوية جاءت مدفوعة إلى حد ما بنمو قطاعات لا توفر وظائف رسمية في كثير من الأحيان، ومنها قطاعات الإنشاءات والنقل والتخزين، وقد زاد نصيب الأول في إجمالي التشغيل من 8% في 2006 إلى 13% في 2018، والثاني (قطاع النقل) من 6% الى 9%.

الميزة الأساسية التي توفرها الوظائف غير الرسمية للعمال هي الأجر النقدي، وفي المقابل تفتقر تلك الوظائف لأشكال الحماية الاجتماعية المختلفة، مثل التأمينات الاجتماعية والتأمين الصحي، ومن الممكن تسريح العاملين بها بدون أي شروط أو ضوابط قانونية، لذا فهي توفر أسوأ فرص استغلال العاملة واستنزافهم.

ومن العوامل الدافعة لهذا الشكل غير الرسمي: تراجع توفير الوظائف المتاحة من الدولة في المزيد من علاقات العمل غير الرسمية. يقول أسعد إن 80% من خريجي سنة 1994 ممن حصلوا على فرص عمل كانوا يعملون لدى الدولة، وبحلول 2015 انخفضت نسبتهم إلى أقل من 30%.

وهذه كانت النتيجة:
بناء على كل العوامل السابقة، كان طبيعيًا أن تتزايد علاقات العمل غير الرسمية، فنسبة العمالة غير الرسمية خارج المنشآت ارتفعت من 12% من إجمالي المشتغلين في 2006 إلى 18% في 2012، ثم إلى 23% في 2018.

تفسر لنا هذه البيانات جانبا من "حالة القفز من القطار في زمان النمو الاقتصادي". فأصحاب الحادثة كانا من العمالة غير الرسمية والتي تعيش في أسوأ ظروف عمل مقابل دخل شديد المحدودية بجانب كونه دخلًا غير منتظم.

عن الدخول يتحدث أسعد عن أجور 2018 وكيف أنها لم تساير التضخم، مما قاد إلى انخفاض مطلق في الأجور الحقيقية.

وفقا لحسابات أسعد كانت أحوال العمالة أفضل في الفترة بين 2006 -2012، حيث ارتفع الأجر الحقيقي (الوسيط) للعامل بـ 6%، لكن هذا الأجر شهد تراجعا بـ 9% في الفترة بين 2012-2018.

وتراجع الأجور كان أكبر في أوساط العمالة النسائية والعمالة متوسطة ومرتفعة المهارة، وللقطاع الخاص الرسمي وغير الرسمي مقارنة بالقطاع العام.

لكن هل هناك أرقام إيجابية وسط كل هذا؟
يشير أسعد إلى بعض المؤشرات الإيجابية في جودة الوظائف، مثل انخفاض نسبة العمالة التي أبلغت عن التوظف بشكل غير منتظم ( أي بشكل موسمي أو متقطع) من 40% في 2012 إلى 30% في 2018، وهو ما يرجعه إلى تحسن أحوال الاقتصاد في تلك الفترة. لكن أسعد يتحدث عن أن المؤشرات الإيجابية محدودة للغاية، مقابل المؤشرات السلبية التي عرضناها في الفقرات السابقة.

ماكينة عالية الكفاءة لكنها تفرم

نحن إذن أمام ماكينة اقتصادية تعمل بكفاءة عالية، وبمعدلات نمو ستتفوق على الصين، على حد قول وزير المالية، ولكنها لا تحقق الأمان والعيش الكريم لقطاعات واسعة من المواطنين.

هذه الماكينة تنتج وظائف بأجور متدنية في كثير من الأحيان، وبشروط عمل غير كريمة ويقبل بها الكثيرون لذلك فهم يجمعون بين مشكلتي الفقر والعمل في ظروف قاسية، ووفقا لنتائج بحث الدخل والإنفاق الأخير فإن 43.1% من الفقراء المشتغلين هم مَن يعملون في القطاع الخاص (خارج المنشآت).

ولا يعزى انتشار ظروف العمل غير الكريم فقط إلى تراخي الرقابة من الدولة أو عدم قدرة العمال على تنظيم أنفسهم وحماية مصالحهم، ولكن أيضًا بسبب تواضع دور مصر في سلسلة الإنتاج العالمية، فنصيبنا من كعكة الاقتصاد العالمي أصلا متواضع ونحن نتصارع على الفتات. فنحن نساهم بـ 0.14% من إجمالي صادرات العالم وذلك لأسباب عدة من أهمها فقر التكنولوجيا.

كما أننا نعتمد بدرجة كبيرة على الأنشطة كثيفة رأس المال، وتحديدا أنشطة الاستخراجات وتكرير البترول التي تمثل نحو 15% من الناتج، أو الأنشطة التي لا توفر فرص عمل مستقرة مثل الإنشاءات التي تساهم بنحو 6% من الناتج والقطاع العقاري بنسبة 7.4% (بحسب بيانات 2017-2018).

ماكينة دعم معطلة

تتحدث دراسة أخرى لمنتدى البحوث الاقتصادية، أعدتها رانيا رشدي الأستاذة بقسم الاقتصاد بالجامعة الأمريكية ورانيا حلمي طالبة دكتوراة بالجامعة الألمانية، عن أن نسبة المواطنين المتلقين لأشكال الحماية الاجتماعية المختلفة تراجعت في 2018 إلى 57% من السكان، مقابل 62% في 2012 و68% في 2006.

ومن المؤسف أن أكبر نسبة من الأسر التي قالت إنها كانت معرضة لمخاطر اقتصادية أو اجتماعية أو صحية أو بيئية، في 2018، كانت الأسر التي تتلقى معاشات تكافل وكرامة، مقارنة بالأسر التي تتلقى أشكالًا أخرى من الدعم والبرامج الاجتماعية المختلفة من الدولة.

بالرغم من أن تغطية الطبقات الأدنى دخلًا بآليات الحماية الاجتماعية تزايدت من 9% في 2006 إلى 13% في 2018، وهو ما يشير إلى تحسن وسائل استهداف الفقراء لكننا لا نقدم لهم الدعم الكافي.

عدم توفير الدعم الكافي تدلل عليه أيضًا أحوال تغذية المصريين، ففي الوقت الذي يغطي فيه نظام التموين أكثر من 63 مليون مواطن وفقًا لبيانات موازنة 2019-2020، فإن حوالي 25% من الأسر واجهت مخاطر انعدام الأمن الغذائي خلال الشهر السابق على المسح، وفقا للدراسة.

وكانت درجة انعدام الأمن الغذائي أعلى بين الأسر التي تتلقى معاشات تكافل وكرامة أو أنواع أخرى من المساعدات الاجتماعية.

تلقي هذه البيانات الضوء على تشابك العديد من العناصر التي تقود الكثيرين إلى أوضاع شديدة البؤس، فلدينا خلطة من الإجراءات التضخمية والتقشف المالي تمت خلال السنوات السابقة وتسببت في غلاء المعيشة، ومنظومة من الحماية الاجتماعية لا توفر الحماية الكافية، وسوق تشيع فيه علاقات العمل غير الرسمية والأجور المتدنية، وهو ابن شرعي لاقتصاد يلعب دورًا شديد التواضع في منظومة الإنتاج العالمية.

ما العمل؟

الإصلاح الهيكلي الحقيقي هو الإصلاح الذي يعدّل من أولويات هذا النموذج الاقتصادي، بحيث يخلق نموًا يوفر العمل والحياة الكريمة للمواطنين، وليس الإصلاحات المالية التقشفية التي يتباهى صندوق النقد الدولي بتطبيقها في مصر.

وما يزيد من الضغوط المعيشية على المواطنين، هو غياب الحماية الاجتماعية الملائمة من الدولة في ظل هذا النموذج الاقتصادي.

وقائع حياة الملايين من الفقراء العاملين، ممن نصادفهم يوميًا في محطات القطار وساحات البيع في الشوارع، وهم يسعون لترويج بضائع أغلبها مستوردة ويعرضون أنفسهم للكثير من المخاطر من أجل دخول لا تغطي نفقاتهم الأساسية، وقد تنتهي مساعيهم بمشهد بائس مثل حادث القطار، هذه الوقائع هي النتيجة الطبيعية لهذه المشكلات، والنجاح الحقيقي يكون في بناء اقتصاد قادر على توفير الحياة الكريمة للناس وليس تحقيق النمو على حسابهم.


اقرأ أيضًا: كيف عطل "الإصلاح الاقتصادي" مفعول مسكنات الدعم