تصميم: المنصة

من مُلامسة النجوم في الميدان إلى تروما الشتات: قصة صحفيي الثورة

عصر الثلاثاء 25 يناير/ كانون الثاني 2011، اجتمع مجلس تحرير صحيفة المصري اليوم حول "ترابيزة التحرير" التي تناثرت فوقها أوراق بيضاء قطع A4 تحمل تقارير المراسلين الميدانيين عن "حركة غير اعتيادية" في شوارع العاصمة، أقرب في كثافتها وحموتها إلى فورة بركان.

الهواتف الأرضية للجريدة والهواتف المحمولة لكبار صحفييها لا تتوقف عن الرنين. مع كل دقيقة خبر جديد عن الحشود المتجهة صوب الميدان. "مين دول؟ وفين الحكومة؟ هنعمل إيه؟ والأهم من كل ده، هنطلع بمانشيت إيه بكرة؟".

وبينما كان النقاش يدور، أشاح أحد "كبار الترابيزة" بوجهه عن أقرانه من مديري التحرير والصحفيين النافذين لدى المصادر الحكومية المسؤولة آنذاك، وصوّب نظره نحو صحفي شاب اسمه أحمد رجب يتصفح تويتر في أحد الأطراف المترامية لصالة التحرير الشاسعة، وسأله بصوت أقرب إلى الصياح "هو إيه اللي بيحصل؟ تعال اشرح لنا".

كانت هذه لحظة فارقة في الحياة المهنية لهذا الشاب، وفي تاريخ البلد أيضًا، فهدير هذه الجموع الغفيرة في الشوارع لم يكن إلا إعلانًا ببدء عصر جديد سيلامس فيه رجب وبقية أبناء جيله حدود سماء مهنة الصحافة، حتى يظن أن سياسة البلاد تُصنع من على هذه الترابيزة التي أصبح رجب بين ليلة وضحاها واحدًا من كبارها، يرسم الصفحات ويملك تأثيرًا على الجماهير الغفيرة على وقع "مانشيت بكرة".

يشرح رجب (36 سنة) للمنصة "أول ما حصلت ثورة يناير فيه ناس منهم اتخضت، وفيه ناس ركبت من أول يوم، يعني أنا فاكر في المصري اليوم، إن مانشيت أول يوم كان 'إنذار' ومعناه إنهم مع الثورة، لدرجة إن لما الموضوع طول لـ 2 فبراير وحصلت معركة الجمل، الناس في المصري اليوم كانوا مخضوضين، ومكانش ينفع نرجع. مفيهاش رجوع. هم خلاص أبرزوا من أول لحظة انتصارهم للثورة، ففكرة إن الثورة تفشل، كان فيها خوف عليهم هم شخصيًا، ده كان وضع الصحف المستقلة عامة، وفي رأيي كان له دور كبير جدًا في يناير سواء بقى في التأريخ والتوثيق لدور يناير، أو في دفع يناير للأمام.. في حاجات كتيرة جدًا".

مانشيت المصري اليوم "إنذار"

في غرفة أخبار صحيفة يومية خاصة أخرى، أزال أحد الكبار صورة صفوت الشريف، رئيس مجلس الشورى وقتها، عن حائط مكتبه، مدُاهنة لثورة منتصرة آنذاك، انضم إليها قطاع من شباب الصحفيين في مؤسسته. كان هذا حال آخرين كثرٌ ممن اختاروا ركوب الثورة.

لاحقًا، سيتقلص تدريجيا نفوذ رجب مدير التحرير الشاب الجديد في صالة تحرير المصري اليوم لصالح الكبار، وعلى وقع العواصف السياسية التي اجتاحت البلاد في صيف 2013، صار الرحيل عن مصر وهو الخيار الذي كان مستحيلا في سنوات الثورة؛ هو السبيل الوحيد للنجاة.

شهدت مصر خروج أعداد غير مقدرة من الصحفيين المهنيين، والنشطاء السياسيين، والحقوقيين، والمعارضين على اختلاف انتماءاتهم السياسية، منذ تولي عبد الفتاح السيسي الرئاسة بشكل رسمي في 2014.

"احنا بتوع الثورة"

نعود مع صانعي إعلام الثورة إلى هذه اللحظة الفارقة بعد مرور تسع سنوات عليها، لنعرف كيف أسهمت في دفعهم للأمام في قمة توهجها وكيف انتقلوا إلى المنفى مع بدايات لحظات انطفائها وهزيمتها.

في أحد مقاهي العاصمة الألمانية برلين يسترجع رجب هذه اللحظة التى مهدت لصعود جيل جديد من الصحفيين المرتبطين بالثورة والعارفين بعوالم تويتر والمدونات. يبدأ من اللحظة التي طُلب فيها منه أن يفسِّر لمجلس التحرير ما الذي يحدث في الشوارع.

"قعدت اشرح لهم اللى بيحصل، ومين الشباب اللى نزلوا دول وبيعملوا ايه وجايين منين. دول حركة عيش وحرية، ودول اشتراكيين ثوريين، ودول 6 إبريل، فاتخضوا"، يوضح للمنصة مضيفًا أن "اللي حصل بعد الثورة إنه بقى فيه بلد جديدة. بترتيبات جديدة، بدينامكية مختلفة جدًا بين القوى همَّ (الصحفيون الكبار) مش فاهمينها. إحنا اللى فاهمينها. فكان طبيعي إننا نسيطر".

أربكت الثورة موازين القوى التقليدية داخل بعض المؤسسات الصحفية الخاصة لصالح الصحفيين الأصغر سنًا الذين تربطهم صلات بالقوى الثورية، فحقَّق رجب، المحقق الصحفي آنذاك، قفزات لافتة في السلم الوظيفي، بداية بتعيينه رئيسًا لقسم التحقيقات، ثم مدير تحرير، فضلًا عن انضمامه آنذاك لفريق عمل برنامج آخر كلام، أحد أشهر البرامج التلفزيونية بعد الثورة.

لم يكن هذا الصعود حالة استثنائية في ذلك الوقت الذي انفتحت فيه أبواب المؤسسات الإعلامية التقليدية حتى أمام القادمين من عالم المدونات. عن ذلك يقول طارق مجدي (33 سنة) الذي دخل عالم الصحافة الورقية عام 2011 بعد أن بدأ رحلته مع الكتابة قبل ذلك بسنوات في مدونته "طبعا عملت علاقات واسعة جدًا في الفترة دي من 2011 لـ 2013. احنا بتوع الثورة بشكل عام"، ويستدرك تغير مسار حياته المهنية "أصلًا أنا دخلت الصحافة وأنا خريج كلية أخرى، وبسرعة بعد بضعه أشهر من دخولي بقيت برسم صفحات كاملة، ده عمره ما كان هيحصل لو كنا في الأوضاع الطبيعية. أنا تدرجت بسرعة جدًا جدًا، وبعدها بقيت مشرف شغل على ناس تانية بعد سنة ونص مثلا من عملى ولا حاجة مش أكتر".

كان للمدونين عن الشأن الثوري الكثير من القوة والحظوة في السوق الإعلامي المصري الذي ازدهر بعد الثورة، حتى وإن كانوا مقيمين خارج البلاد. تجسد ذلك في تجربة سارة عثمان (31 سنة) التي بدأت رحلتها مع التدوين عام 2009 بينما كانت تقيم في إنجلترا مع والديها، في تجربة مليئة بالإسقاطات السياسية عن الشأن المصري طوّعت خلالها حسّها الساخر.

مع عودتها إلى مصر في 2011 تلقت سارة أكثر من عرض للعمل في مجال الإعلام، "الفضل في ده يرجع للتدوين و يرجع للعلاقات اللي أنا عملتها من خلال السوشيال ميديا وأنا برة. يعني أنا جيت مصر والناس بالفعل عارفاني من قبل ما يقابلوني. عارفين شخصيتي الافتراضية."

أبدى أبناء هذه اللحظة الفارقة امتنانًا لفضل الثورة على بداية مشوارهم الصحفي، لأنها خلقت مناخًا تنافسيًا داخل المؤسسات الإعلامية معياره الكفاءة. "دايما في غرف الأخبار الترقي ليه وسائل مختلفة يا إما القرابة لمش عارف مين، يا إما الت**** للدولة أو لجهاز ما، أو الكفاءة؛ وعادة الكفاءة بتيجي آخر حاجة. لكن بعد الثورة لأن الجرايد بقت تتنافس منافسة حقيقية وعاوزه تعمل صحافة حقيقية، فبقت الكفاءة أهم ... الناس دي اتصعدت عشان الناس هم كفاءات"، يتحدث رجب عن رفقاء درب المهنة الذين أمسكوا بمفاصل الجريدة بعد الثورة وترأسوا أقسامًا صحفية مختلفة.

يعني شفنا سقف عالي ما شفناهوش قبل كده خالص، في مهاجمة المجلس العسكري مثلًا في أحداث محمد محمود، وأحداث مجلس الوزراء.
- محمود عبد المنعم، صحفي

في ذاكرتهم طُبعت السنوات الأولى للثورة بنشوة التمكين الصحفي ومناطحة السلطة التنفيذية كأنداد، والعمل في مناخ طالما بدا حلمًا بعيد المنال لأجيال متعاقبة من الصحفيين المعارضين، يمكن فيه لـ "شوية صحفيين عيال" أن يطيحوا برأس الحكومة أو يكتبوا عن مظاهرة حاشدة تدعو لها قوى المعارضة. في 2011 و2012 بلغ رجب من مهنة الصحافة مبلغًا عظيمًا. عن هذه الفترة يقول "كان فيه غالبًا تصور(عند الصحفيين) إن مبارك لما يلاقي الصحافة بتهاجم وزير بيعند معاهم وما يمشهوش. بعد الثورة برنامجنا آخر كلام ساهم إن رئيس الوزراء يمشي بعد حلقة كان ضيف فيها، بعدها على طول. فمفيش أقوى من كدة في الدنيا (...)، برنامجنا مشي فيه مسؤولين كتير (شفيق والسباعي ). ناس كنا بنجيبهم وهم في مناصبهم وبنتعامل معاهم بشكل صحفي، ونسألهم الأسئلة الصعبة، والموضوع بينتهي بإنهم بيمشوا من شغلهم. مسؤولية طبعا. مسؤولية بنت كلب".

بالنسبة لصحفيين آخرين، لمسوا بالفعل قوة قلمهم الصحفي في معارضة نظام مبارك قبل الثورة، تفرّدت السنوات الأولى للثورة باستثنائيتها في كسر تابوهات السلطة في مصر، كتابوو المؤسسة العسكرية. قال عبد المنعم محمود (40 سنة) الذي عمل في جريدة الدستور قبل 2011 "يعني شفنا سقف عالي ما شفناهوش قبل كده خالص، في مهاجمة المجلس العسكري مثلًا في أحداث محمد محمود، وأحداث مجلس الوزراء اللي وصل لعنوان بارز عمله جورنال التحرير برئاسة إبراهيم عيسي لما قال إنهم 'كذابون'".

مانشيت جريدة التحرير "كذابون"

أما عن سوق الإعلام نفسه، فكانت الأموال تتدفق من رجال أعمال جُدد لفتح قنوات جديدة وإصدار صحف وإطلاق مواقع، حتى شمل ذلك قنوات عربية إخبارية مثل العربية والجزيرة اللتين دشنتا قنوات خاصة بمصر.

يقول أحمد سليمان (30 سنة) الذي عمل معدًا ومراسلًا في العديد من المحطات التلفزيونية الخاصة منذ 2009، ثم العديد من البرامج الحوارية المحسوبة على الثورة "مع الثورة ظهر جيل جديد من مُلّاك القنوات والصحف، كان فيه جيل غامض ظهر وفي نفس الوقت فيه جيل قديم تجرأ شوية. وفي جيل بقى انضم للثورة المضادة طبعًا. فده أثر على الصحافة (...)أنا أقدر أقول إن فيه أجيال اشتغلوا صحافة لأول مرة في حياتهم بسبب الفرص اللى اتفتحت".

هيستريا في غرفة الأخبار

في تلك السنوات، كان المناخ السياسي الثوري هو الحاضن الطبيعي لجنين الإعلام الوليد، حتى أن سياسة إدارة "الترابيزة" في بعض المؤسسات الإعلامية الخاصة كانت تخضع إلى حد كبير لهوى الثورة أكثر منها لهوى صاحب رأس المال. فمع ذروة الاستقطاب السياسي حول الاستفتاء على التعديلات الدستورية في مارس/ آذار 2011، لم يستطع بعض رجال الأعمال المؤيدين للتعديلات التأثير على السياسة التحريرية لصحفهم، كما قال طارق مجدي من واقع تجربته في كواليس المطبخ الصحفي في إحدى الصحف اليومية الهامة "فالمناخ السياسي العام، كان أهم من موضوع الملكية في الوقت ده".

ولكن بحلول صيف 2013، تغيّر كل شيء.

انقلب المناخ السياسي رأسًا على عقب مع عزل الرئيس الراحل محمد مرسي، ولم يكن روتين عمل الصحفيين بمنأى عن هذا الزلزال السياسي وتوابعه.

فحتى آخر يوليو/ تموز 2013 كانت إيمان عبد المنعم ( 37 سنة) تجني ثمار سنوات من العمل الصحفي الدءوب على ملف الإسلام السياسي، حيث شغلت منصب مراسلة وكالة أنباء الأناضول في مواقع سياسية هامة كمؤسسة الرئاسة ومجلس الوزراء والبرلمان وجامعة الدول العربية. وفجأة، وجدت نفسها مفصولة من الجهات الأربعة بقرار من الهيئة العامة للاستعلامات ترى أنه "أول قرار بيهز العلاقة ما بيني وما بين المصادر".

تسارعت وتيرة أحداث حياة إيمان عبد المنعم الصحفية بتسارع أحداث ما بعد عزل مرسي. عن تلك الفترة تابعت قائلة "بدأ ما يشبه حظر النشر في موضوعات كتيرة جدًا. قلت المساحات اللي بكتب فيها جوه مصر، اتفصلت من نقابة الصحفيين. فمبقاش بسهولة ليا إني أكتب، واتعملت لي تلات قضايا من 2013 لـ 2018 بسبب اللي كنت بكتبه".

ما هي إلا شهور قليلة، في سبتمبر/ أيلول 2013، حتى وجدت إيمان عبد المنعم نفسها في مطار القاهرة مع حقيبة يد صغيرة متوجهة إلى الدوحة. تقول إنها تلقت "تهديدات مباشرة بالاعتقال"، فنصحتها بعض المصادر المسؤولة بالخروج من مصر لبعض الوقت، " أنا لما خرجت مكنتش متخيلة إني مش راجعة. كنت خارجة بشنطة هاند باج، على اعتبار إنها 3 أو 4 شهور. لأن في الآخر الميديا مش المفروض إنها تتحاسب بشكل ما. بس للأسف الأمر بقى أسوأ من تخيل الواحد".

بالنسبة لصحفيين آخرين، لم تأخذ الحياة نفس الوتيرة المتسارعة والدرامية، ولكنها كانت تضيق تدريجيًا حتى استحكم الخناق على بعضهم.

من موقعه كمٌنتج في كواليس برنامج آخر كلام، يوضح سليمان أن "مصر حتى في مرحلة 2013 و 2014 مكنش فيها رقابة على الإعلام زي اللى بيحصل دلوقتي، بس كان فيه رقابة ذاتية، اللي هو الرقيب الداخلي بتاع القناة اللي هو مش لازم يكون بالضرورة مخبر، ولكنه بيتطوع إنه يعمل رقابة ذاتية (...) إحنا أصعب فترة اشتغلناها في حياتنا كانت 2013 و2014. قعدنا فترة طويلة معندناش رقابة علينا. بس إحنا كل الحاجات اللي كنا بنعملها قبل كدا والمواضيع اللي كنا بنناقشها ماكانش فيه حد بيراجعنا فيها. لكن بقى فيه أسئلة فإحنا ما بنردش على حد، فإحنا بنعند. لحد ما تقريبا البرنامج اتوقف في 2014 بشكل مفاجئ".

وكأن شعرة معاوية قُطعت مع الثورة في سبتمبر/ أيلول 2014 مع توقف برنامج آخر كلام، أو هكذا يرى المراسل التلفزيوني الذي يوضح أكثر "في 2014 كان لسة فيه خيط رفيع بس أنا أحبطت بعد ما البرنامج اتوقف، حصلي إحباط شخصي، وحسيت إن احنا النافذة الوحيدة وقتها، وقت ما قعّدوا أغلبنا في البيت". قضى سليمان ثلاثة أشهر من الإحباط في المنزل بينما تقلصت عروض العمل، إلى أن عُرض عليه منصب مدرب إعلامي بأحد الدول العربية "فكانت هدية من السما جات لي وخلتني اقدر أكمل".

حتى ذلك الوقت كان عدد كبير من الصحفيين المحسوبين على "المجموعة بتاعت الثورة" ما زالوا يعملون تحت سطوة المناخ السياسي الجديد للبلاد التي "تحارب الإرهاب"، وهو المناخ الذي شهد الكثير من التغييرات المتلاحقة التي طرأت على صالة تحرير الجريدة اليومية التي يعمل فيها رجب، والذي يوضح أكثر "إن الموضوع محصلش في لحظة كده مشوا الإخوان فجم تاني يوم الجرايد غيرت (سياستها). في الأول، كان الموضوع رقابة ذاتية من المؤسسات، ومش بس رقابة ذاتية من رئيس التحرير، بل من كل صحفي، لأن معظم الصحفيين في الأصل ضد الإخوان، وبعضهم طبعًا مدفوع من أطراف معينة، ومع 'ثورة 30 يونيو العظيمة اللى مشت الإخوان'، واليوفوريا اللي معاها، فكارثة كبيرة زي رابعة حصلت في لحظة مكانتش بعيدة عن اليوفوريا اللى بحكي عليها. فعشان كده عدت."

ومع حلول الرقيب ضيفًا ثقيلًا على غرف الأخبار تقلصت صلاحيات رجب كمدير للتحرير، إذ وجد أن "الوضع كان مخيف. كان مخيف على كل المستويات"، مضيفًا "يعني تحقيقات قوية بنعملها ما تتنشرش. المصادر الحكومية ما بتردش. ولو كلمنا مرة الحكومة عشان ترد علينا بحاجة، فيكلموا رئيس التحرير فيقولنا اخرسوا. لأ طبعا كل حاجة اتغيرت. كل حاجة اتغيرت".

دارت عقارب الساعة دورة كاملة إلى الوراء في غرف الأخبار مع عزل مرسي إذ تقدم الصفوف أولئك الذين تواروا عن المشهد الصحفي في ظل الثورة. عن حركة الشطرنج في غرفة الأخبار يقول رجب "أنا كنت شغال في غرفة أخبار كبيرة فيها 140 صحفي. من أول لحظة اللى كان مع الثورة حوالي 40 صحفي، والباقي ضد الثورة، وفضلوا ضد الثورة (...) بس الحقيقي إن جموع الناس وجموع الصحفيين، لسة مش مع الثورة، وفي لحظة صفوا ببساطة مع الانقلاب".

لما كنت بقدم السي في لقنوات عربية كنت باجي عند تاني أو تالت إنترفيو ورغم إن الدنيا ماشية، كنت بعرف من جوه من غير رسميات يعني، إنتي ماعدتيش عشان إنتي ناشطة وعشان الكلام اللي بتكتبيه.
سناء خالد (اسم مستعار) صحفية وناشطة

"الموضوع بقى يضيق جدًا يضيق جدًا علينا، وممارسة الصحافة مبقتش عمل سهل خالص" وصف رجب آخر أيامه في الجريدة قبل اضطراره إلى الاستقالة تحت وطأة الضغوط على مالكها رجل الأعمال. ومع هذا، فإن مغادرة مصر لم تكن أمرًا يسعى له الشاب، الذي وجد نفسه يخسر عقد عمل جديد في قناة تلفزيونية بعد أسبوعين من توقيعه لأن "الدولة رفضت إن إنت تشتغل" كما قيل له بشكل غير رسمي. فما كان منه إلا قبول عرض مقدم البرنامج الذي عمل معه في السابق بالعمل معه في دولة أوروبية، يعيش فيها منذ 2016 وحتى الآن.

وكما تلت الأيام الأولى للثورة قوائم سوداء شعبية تضم أسماء المحسوبين على نظام مبارك، على أمل إبعادهم من الحياة السياسية، فإن الصحفيين والصحفيات المحسوبين على الثورة كان لأسمائهم نصيب من قوائم لاحقتهم في فرص عمل جديدة. بالنسبة للصحفية والناشطة سابقًا سناء خالد (اسم مستعار) أصبحت "وصمة الثورة" على سيرتها الذاتية بعد منتصف 2013 تلاحقها في مقابلات العمل بالمؤسسات الإعلامية العربية الكبرى.

تقول للمنصة "لما كنت بقدم السي في لقنوات عربية كنت باجي عند تاني أو تالت إنترفيو ورغم إن الدنيا ماشية، كنت بعرف من جوه من غير رسميات يعني، إنتي ماعدتيش عشان إنتي ناشطة وعشان الكلام اللي بتكتبيه والمقالات اللي بتكتبيها والتغطيات اللي بتعمليها on your personal account (عبر حسابك الشخصي) والكلام ده كله يعني، والكلام ده حصل، مع أكتر من شخص مقربين ليا أنا أعرفهم، ناس مذيعين أو صحفيين، كانوا بيترفضوا من أول بس ما يشوفوا اسمهم".

بعد أحداث فض اعتصام رابعة العدوية سارع بعض الصحفيين للخروج من مصر خوفًا من ملاحقتهم أمنيًا على خلفية انتمائهم السياسي السابق لجماعة الإخوان المسلمين، عن ذلك قال محمود الذي غادر مصر في أغسطس/ آب 2013 "أنا كنت اتسجنت 3 مرات قبل كده فمكانش عندي أي طاقة أدخل السجن تاني. ومكانش عندي أي طاقة إني أكمل. فقررت آخد أسرتي وأسافر برة مصر. وقتها كنت تركت قناة الجزيرة، وكنا بنعمل مشروع في مصر. لكن لما الدنيا قفلت اتصلت بالجزيرة تاني، ورجعوني، ورجعت على الدوحة وقعدت هناك 3 شهور ومن ثم طلع المشروع، فأصبح في لندن، وسافرت لندن"، ومن وقتها يعيش محمود في لندن مع زوجته إيمان.

الشتات الصحفي..وتروما الثورة

رغم تفاوت الأسباب الشخصية التي دفعت الصحفيين الشباب المحسوبين على الثورة للخروج من مصر وكذلك تفاوت السبل، إلا أن أغلبهم يجمعون على أن "ولحد اللحظة دي عمري ما فكرت إني أنا همشي" كما يقول رجب المقيم في برلين منذ 2016، ويعمل بقناة أوروبية ناطقة بالعربية.

كان تمسكهم بالبقاء في مصر تمسك بالرمق الأخير من تجربة مجموعة "بتوع الثورة" في الصحافة. عنهم قال سليمان "كان فيها تجارب ناس أو تجارب برامج محددة بسبب مجموعة كبيرة من الصحفيين المصريين كانوا بيحاولوا يعملوا بشكل شخصي تجارب مهنية صحفية أو تجارب تجمعهم مع بعض، زي اللي حصل في المصري اليوم وحصل في OnTV".

ومع توجهات المناخ السياسي الذي حكم البلاد، انفرط عقد هذه المجموعة ما بين مهاجر أو منفي أو "ناس قعدت في البيت، أو ناس جالها اكتئاب".

خسارة ذلك الفريق لم تكن هينة، كما قاطع رجب سؤالي عن خسائر هذه المجموعة "مش عارف أتعامل"، مسترسلا في الحديث عن أبناء جيله بفخر وأسف "مش عارف اتعامل. دي حاجة سيئة جدًا. مش comfort zone بس هي شبكة من الصحافة أنا رأيي إنه مش بس أصحابي، لكن في كل الجرايد، الشبكة دي كان ليها دور أساسي ومهم في تطوير الصحافة في مصر في2010 و 2013 . لما بنبص على الصحافة في مصر دلوقتي عامله ازاي؟ المصري اليوم اللي بقولك عليه اللي كان وصل لمليون نسخة، دلوقتي بيوزع عشرة آلاف نسخة، ده بيقول إن الناس دي مش أنا اللى خسرتهم، المجتمع خسرهم، الصحافة خسرتهم".

ولكن مع توالي خروج أعداد كبيرة من الصحفيين والنشطاء من مصر وتركزهم في عواصم أوروبية مثل لندن وبرلين، أصبح بعضهم أكثر تقبلًا لخسارة وسطهم الصحفي في مصر، كما تشرح سارة عثمان، التى عادت إلى انجلترا كصحفية مستقلة "أنا في لندن، وهي بقت hub لعدد كبير من الصحفيين العرب والمصريين على وجه الخصوص. فسهل إلى حد ما إني أشوف ناس، بالعكس أنا بقيت اتندر على فكرة إني بقيت أشوف ناس في لندن أكتر من اللي كنت بأقابلهم في القاهرة، وأصدقائي الصحفيين في أوروبا من وقت للتاني بنزور بعض، غير كمان وسائل التواصل اللى عندنا فقادرين طول الوقت نتواصل ونتكلم هنعمل إيه، عملنا إيه، إيه اللي المفروض نعمله على المستوى المهني يعني. الحاجات دي كلها مخليانا قادرين لحد ما نـ connect يعني".

وكما جاء قرار مغادرة مصر اضطراريًا لبعض الصحفيين واحترازيًا للبعض الآخر، فإن القلة القليلة منهم ملكت رفاهية اختيار المؤسسة الإعلامية الأجنبية أو حتى بلد الهجرة أو المنفى، ومن هذه القلة المحظوظة كان مجدي، الذي يعمل في دولة أوروبية، حسبما يصف نفسه، مؤكدًا أنه رفض عروض عمل في دول خليجية وتركيا لأن طموحه الشخصي في الحصول على جواز سفر أجنبي والتمتع بالحرية والأمان وفرص التعليم الأفضل لابنه لن يتحقق إلا في دولة غربية، حسب قوله.

في المقابل، قالت عثمان "كنت عاوزه أخرج من البلد، (مصر) مبقتش بلد عاوزة اعيش فيها. حاسة على نفسي، إلى حد ما مش لحد كبير، بالخطر. إنه ممكن يتقبض عليا في أي وقت". ولكنها كانت تدرك أن خيارات العمل في الخارج محدودة أمام الصحفيين المصريين وغالبًا سيجري توظيفها سياسيًا. توضح أكثر "بس كان هيبقى جميل جدًا إني أروح مكان معندوش انتمائات واضحة أوي (...) يعني مكنتش عاوزه أروح حاجة قطري ولا حاجة سعودي".

ومع ذلك، بقيت المعضلة السياسية في قلب فرص العمل المتاحة للفارين من "وصمة الثورة" في مصر. تقول إيمان عبد المنعم "هو للأسف بعد أحداث يوليو 2013، كان أي وسيلة أجنبية بتخطف الصحفيين المصريين سواء ليهم موقف مع أو ضد مصر (...) يعني إنتي نفسك هتكوني مصدر معلومات وكان ممكن يتم توظيفك بشكل ما". عبد المنعم، نفسها، أصبحت رئيسة تحرير الموقع الإلكتروني لقناة الجزيرة مباشر، والجزيرة مباشر مصر، وهي الشبكة التلفزيونية المملوكة لقطر التي نددت بعزل مرسي.

مع هذا تؤكد "أنا كنت بعمل اللي أنا عاوزاه"، في إشارة إلى عدم تأثير السياسة الخارجية لقطر على صلاحياتها كرئيسة لتحرير موقع الجزيرة مباشر والجزيرة مباشر مصر، قالت "لما حصلت مظاهرات تيران وصنافير والعلاقات السعودية القطرية كانت جيدة وقتها، الجزيرة الأم ما بثتش مظاهرات، لكن أنا كنت فاتحة منصات تواصل مباشر مع الجمهور، فالناس عملت لنا لايف على الصفحة وطلعته ومحدش (في القناة) أخد موقف أو إجراء".

من أفلت من فخ التوظيف السياسي في سيناريوهات الخروج من مصر، واجه معضلة أخرى في سوق الإعلام الغربي، وهي ندرة فرص العمل الصحفي بلغة أهل البلد وفي مؤسساتها الإعلامية، خاصة أن إمكانية حصولهم على فرص عمل في بلاد أوروبية تعود بالأساس إلى شبكة علاقتهم المؤثرة في السوق الإعلامي المصري إبان الثورة. فإذا بهم ينتقلون إلى عواصم أوروبية مثل لندن وبرلين ليغطوا ملفات مصرية وأحيانًا عربية في الخدمات الصحفية المقدمة باللغة العربية، والتابعة لشبكات دولية.

يواجه مجدي ذلك المأزق لعمله في دول أوروبية "يعنى أنا لما أنتج محتوى يومي عربي والضيوف عرب مع زملاء عمل عرب. فأنا قاعد في كوكب مالوش أي علاقة بالدولة اللي أنا فيها".

وردا على سؤال حول إمكانية دخوله سوق الصحافة الأوروبية، يقول أنه كان متفائلا حيال ذلك حيث أن عائق اللغة يمكن تجاوزه مع الوقت، ولكن "الفكرة إنك بتبدأ من الصفر. يعنى انت في مصر عامل career، وعامل اسم وعامل علاقات، لكن هنا الحاجات دي أنت بتبدأها من الصفر. ممكن صحفي هنا دي بلده الأصلية، مبتدأ عنده عشرين سنة مثلا، يبقى معديك بكتير جدًا".

الصحفيون المصريون في برلين واجهوا تحديات مماثلة داخل مؤسساتهم الجديدة "جوه المكان نفسه فيه مساحة نكبر. لكن بره المكان مفيش مساحة خالص" بحسب سليمان، الصحفي التلفزيوني، الذي يلخص واقع تجربة عمرها ثلاث سنوات في السوق الصحفي العربي بألمانيا.

يعتبر معظم صحفيي المهجر أنفسهم "محظوظين بالخروج من مصر" كما ذكروا في أحاديثهم معي، إلا إنهم يدركون أيضًا ثقل ما حملوه فوق أكتافهم منذ 2013 وحتى لحظة الرحيل، وهو ما يسميه رجب "تروما الثورة"، قبل أن يوضّح أكثر "أعتقد إن احنا كلنا في تروما. يعني احنا كمجموعة صحفيين شغالين احنا في تروما، لأن احنا في لحظة كنا أقوياء جدًا ولمسنا سقف العالم كله، وفجأة رجعنا اكتشفنا إن ضابط بيبص على الخبر ويتصل برئيس التحرير ويقوله امسح لي الخبر دا. ده طبعًا كان قاسي جدًا علينا وعمل خناقات كتيرة من أول المراحل النفسية بتاعت الانكار وبعد كده مش عارف إيه وبعد كده الغضب، كل ده، كل المراحل دي عدينا بيها كمان".

بناء على قيود سوق الإعلام على صحفيي الشتات، ظل الملف المصري بالنسبة لغالبيتهم في قلب عملهم الصحفي اليومي، وإن كانوا فعليًا خارج حدود البلاد. وفي هذا الصدد، كانت تغطية الملف المصري لعدد منهم أقرب إلى نداء الواجب تجاه تجربتهم الصحفية الموءودة في السياق السياسي المصري الراهن، ورهان أخير على دور الإعلام في خلق التغيير. وهذا ما دفع سليمان إلى ترك وظيفته المُجدية في دولة عربية منذ يناير 2016 لينضم إلى صورة مصغرة من فريق عمل البرنامج التلفزيوني، الذي أوُقف بثه في مصر منذ 2014، ولكن هذه المرة في برلين.

يشرح للمنصة "كنت حاسس أن دي النافذة اللي هتخلينا نشتغل على مصر براحتنا. مش تحقيقات، لكن نشتغل بشكل يومي، لأن فيه ناس عاوزة نافذة في أحلك سنين السواد (...) الساحة كانت فاضية خالص في المرحلة دي في مصر، فإحنا كنا صوت بيحاول يقول الحقيقة".

تلمّس بعض صحفيو الشتات تعطُّش الجمهور المصري في الداخل لسماع رأي آخر، مغاير للنغمة الموحدة في الإعلام المحلي، والذى تم تأميمه في السنوات الأخيرة. وكان توظيف صحافة المواطن في الموقع الإلكتروني لقناة الجزيرة مباشر مصر خير دليل على ذلك، كما قالت عبد المنعم " في الوقت اللى بتتقلص فيه حرية الصحافة في مصر فالمنصة اللى احنا خلقناها نجحت إنها تكون الصوت البديل. في 2014 لما مسكت الموقع كان بيتابعه 800 ألف مشاهد وفي 2017 وصل ل 10 مليون، معظمم من مصر".


اقرأ أيضًا: بقوائم الواتساب والإيميل: كيف تدير الدولة أذرعها الإعلامية


وعلى المستوى الشخصي، أكد بعض صحفيي الشتات أن الاستمرار في تغطية الشأن المصري من الخارج يلبي احتياجًا نفسيًا وعاطفيًا بمهنتهم، توثَّق في ظل سنوات الثورة. قال سليمان "نقدر نقول على المستوى الإنساني بيكون عندنا حنين إننا نشتغل شغل مصر. بالعكس لما بتيجي مواضيع مصر بترجع لنا الروح تاني. لأن ده اللى عملته الثورة فينا (..) إننا نكون صوت من ليس له صوت".

بل وإن لبعض صحفيي الشتات كانت الكتابة عن مصر دواءً للمعاناة النفسية في الغربة. روت إيمان عبد المنعم التى حُرمت في المنفى من توديع والديها قبل وفاتهما في مصر "بعد ما خرجت من مصر، كنت متأثرة نفسيا باللي حصل، فمكنتش بكتب أي حاجة. لحد ما نصحتني طبيبة نفسية إني أرجع أكتب تاني عن مصر على السوشيال ميديا عشان ده هيخفف الضغط الداخلي عليا".

ولكن بالعودة إلى السؤال المهني حول تغطية الشأن المصري دون التواجد في مجال العمل الميداني، فإن معظمهم أكد على إمكانية ذلك من خلال شبكة المراسلين والمساعدين وقراءة خريطة السوشيال ميديا في مصر، باستثناء رجب "يمكن أنا كلاسيكي. يعني أنا كنت أتمنى أشتغل على حاجة من مصر بس ما بعرفش. حاولت معرفتش. حاولت أعمل تحقيق، أخد معايا أكتر من سنتين. ومعرفتش. فيه ناس شاطرة بتعرف تعمل ده لكن أنا معرفتش".

حتى مع الإمكانيات المادية المسخَّرة في بعض المؤسسات الإعلامية الناطقة بالعربية في دول أوروبية إلا أن الصحفيين العاملين في هذه القنوات يدركون خسارتهم للخبرة الصحفية الميدانية. قال مجدي "طبعًا، أنا محروم تمامًا من كل الشغل الميداني، وخاصة إن فيه حاجات كتير محتاجة إنك تنزل تشوف بنفسك المكان، تصوره، أو تقابل المصدر، مش تكلمه في التليفون".

ومع زيادة عدد سنوات الغربة، أبدى بعضهم مخاوف مشروعة. تقول عثمان "مش عاوزة بعد شوية سنين I cannot relate to اللي حاصل واللي كنت بعيب عليهم أو بقول عليهم المستشرقين أو الصحفيين اللي مالهمش أي علاقة، مش عاوزة أبقى الشخص ده. مش عاوزة lose the connection (أفقد الارتباط) اللي بيني وبين البلد".

رغم الخسائر المهنية والشخصية التى مُني بها عدد من صحفيي الشتات جراء الخروج الاضطراري من مصر وإجهاض تجربتهم الصحفية، لم ينكر بعضهم أنه حقق خطوات مهنية مهمة. عن تجربتها مع شبكة الجزيرة، قالت عبد المنعم "في 2017 كنت في عز تألقي في المهنة. كنت أنا وديما الخطيب بس السيدتين اللي موجودين في مناصب قيادية بالمؤسسة"، وذلك قبل أن تستقيل إيمان من عملها لكى تلم شمل أسرتها الصغيرة في لندن، حيث يعمل زوجها الصحفي عبدالمنعم محمود. هو بدوره رأى جانبًا إيجابيًا في تجربة الخروج من مصر قائلا "الصحفي اللي بيخرج بره بلده. أيًا كانت بلده، معارفه ومصادره واهتماماته الصحفية بتتسع (...) فدي ميزة مهمة جدًا، بتختلطي بصحافة مختلفة وبزملاء من خلفيات مختلفة وبتكوني مجبرة إن يكون عندك اطلاع على قضايا غير القضايا السابقة، ممكن تكوني بتاخديها بمعرفة قشرية، عشان إنتي هتدخلي اجتماع مجلس تحرير تناقشيها في نشرة إخبارية فيها 16 خبر، الخبر الرئيسي فيها بتاع انفجار سوريا".

بدوره، قال مجدي إن انتقاله إلى دولة أوروبية فتح له نافذة للخروج من النطاق المصري المحلي إلى نطاق عربي وغربي أكثر اتساعًا، "مكنتش هعرف أروح مقرات أكبر الصحف العالمية إلا وأنا هنا. مكنتش هعرف أتكلم مع المصادر الأجنبية إلا وأنا هنا".

ومع اقتراب اكتمال العقد الأول على ميلاد تجربتهم الصحفية من رحم الثورة، أعاد بعضهم قراءة التجربة بعين ناقدة لما قد تكون جنته الروح الثورية على الوسط الصحفي، أو العكس. فكانت عثمان نفسها، وهي الناشطة الثورية سابقا، غاضبة جدا من آثار الانحيازات الثورية لزملائها - في المهنة والثورة - على أجندة الموضوعات واختيار المصادر الصحفية، قائلة "من الكواراث اللى حصلت إن الناس وهي بتشتغل صحافة كانوا بيحسوا إنهم ثوار مش صحفيين"، مما عمق الاستقطاب السياسي للجمهور المصري في سنوات الثورة، على حسب اعتقادها.

من واقع خبرتها كمعدة سابقة في برنامج الإعلامي معتز الدمرداش على قناة الحياة المصرية قالت عثمان " كنت كتير أوي أوي أروح لصحفيين محتاجة إنهم يكونوا ضيوف في البرنامج عشان حدث معين حصل وعاوزين نتكلم عليه بالليل زي مثلا الاتحادية..ولا أيام محمد محمود..والأحداث الكتيرة اللى كانت حاصله وقتها..لأ كانوا يرفضوا على اعتبار إن قنوات الحياة دي فلول تابعة لسيد البدوي بتاع حزب الوفد، كانوا يرفضوا ويفضّلوا يطلعوا مع يسري فودة اللى مش بيشوفوه غير ال elite وال A class وال B class. لكن اللى كانوا المفروض يخاطبوهم، في البرامج اللى زي ده، مكانوش بيسمعوهم".

مفيش حد من اللى أنا اعرفهم بما فيهم أنا مش عاوز يرجع مصر، كلنا نفسنا نرجع مصر، بس مش لاقيين إن الوقت ده أنسب وقت.
- سارة عثمان، صحفية ومدونة

تابعت "وكانت النتيجة ايه؟ النتيجة إن اللى تفحل وتفشى اللى شبه عكاشة ده عشان الثوار الصحفيين مترفعين عن إنهم يظهروا في برامج معينة. لكن الصوت عمال يقل يقل يقل، وهما كان عندهم illusion (وهم) إن يسري كل الدنيا بتشوفه. لأ هم عشان شايفين تويتر دايما بيتكلم عن الحلقة الأخيرة من آخر كلام، للأسف كانوا شايفين من جوه فقاعة لكن لو كانوا خرجوا منها كانوا هيلاقوا إن فيه ناس تانية عاوزه تسمع كلامهم ده بس مش واصلهم بسبب إنهم غلبوا الأيديولوجي على المهنية يعني فلأ لأ ..دي حاجة كانت كارثة بصراحة، وحاجة مضايقاني لغاية دلوقتي. ومن الحاجات اللى كنت حاسة فعلا إنها كانت هتفرق مع الناس. لو كان الصحفي فصل ما بين إن هو ناشط وما بين إن هو صحفي".

في حوارات المنصّة مع الصحفيين والصحفيات الستة كان سؤال المستقبل والعودة إلى مصر هو السؤال الأصعب، يعقبه صمت يسود للحظات، حتى يُستأنف الحديث مرة أخرى بين أمل ورجاء. عثمان التي أكملت ثلاث سنوات ونصف في انجلترا قالت "مفيش حد من اللى أنا اعرفهم بما فيهم أنا مش عاوز يرجع مصر، كلنا نفسنا نرجع مصر، بس مش لاقيين إن الوقت ده أنسب وقت. فاللي حاصل، عن نفسي هتكلم عن نفسي؛ اللى هيحصل يحصل هنا لحد ما نشوف الوضع هيتحسن ولا لأ".

وأضافت "وفي نفس الوقت، حاسه إني فيه تقدم أنا فيه سنوات خبرة تضاف ليا، وفيه خبرات جديدة أنا بكتسبها سواء على مستوى شغلي أو على المستوي الإنساني. يعني حاليا مركزة أكتر في مسيرتي المهنية بحيث إن لو حصل وفيه فرصة حقيقية إن الواحد يرجع لبلده.. يبقي راجع وهو شاطر وقادر يفيد الناس الصغيرة اللى موجودين ومحبوسين ومش قادرين يوصلوا لكل الموجودين والمحبوسين، اللى قدروا يطلعوا وصلولها يعني".

ولكن تقاطع دروب رفقاء التجربة مرة أخرى بدا أبعد من المستقبل القريب كما قال رجب "كل واحد بيحاول ينجو بنفسه. لأنه كمان صعب إننا نرجع نتجمع تاني ونشتغل مع بعض. ده حلم، دايمًا أرجع أقول كده. يااااه، محدش عارف بقى، صعب مش سهل".


تنوية: هذه النص مبني على مشروع بحثي، ويحتوي على مٌقتطفات من حوارات مطولة أُجريت مع عدد من الصحفيين/ات المصريين/ات في الخارج.