تصميم: يوسف أيمن- المنصة

عزيزي عمر هاميلتون: لا لن نتضامن مع المستعمرين الجدد

حتى لو نجح الاستعماريون الخضر الجدد في فرض أجندتهم غير العادلة على شعوب الجنوب فلن يوقفوا عجلة التغير المناخي، كل ما سيحدث هو إبطاء قدوم الكارثة. والحل؟ الحل أن نتحرر من وهم الحدود القومية ونستعيد كبشر حقنا في السفر والتنقل والهجرة.

نشر الصديق عمر روبرت هاميلتون مقالًا بعنوان مستعمرات الكربون وعقد آخر جديد في موقع مدى مصر. مقال ممتاز مكتوب بلغة أدبية ساحرة، ومزيج بين العام والخاص يجعله قطعة فنية، بمعلومات بعضها موثّق ومعظمها غير حيادي أو موضوعي. قطعة صحفية أنصح الجميع بقراءتها للتعرف على سمات الفكر الاستعماري الجديد الذي ينهض في الثقافة الغربية ودول الشمال تحت شعار الصفقة الخضراء.. أو دعونا نستعمركم مرة أخرى لكي ننقذ الكوكب.

أريد أن أوضح/ أعلن/ أكرر اتفاقي مع المقال في أن التغير المناخي حقيقة وكارثة، لكن نقاط الاختلاف مع الصفقة الخضراء ومنطق مقال عمر منبعها أولًا: مَن يجب أن يتحمل المسؤولية؟، وثانيًا: ما هي أولوية التحرك والانقاذ؟

على عكس عمر ورفاقه الخُضر في دول أوروبا؛ فأنا أعتقد أن كارثة التغير المناخي هي مسؤولية دول وشعوب الشمال، وأولوية التحرك هي إنقاذ البشر لا إنقاذ الكوكب أو السلاحف البحرية.

يبدأ عمر المقال برصد ما يعتبره "مفارقة"، فحينما انطلقت مظاهرات مطالبة بالحد من تغير المناخ في عواصم أوروبا وأمريكا في سبتمبر/ أيلول الماضي؛ خرج مئات من المصريين في تظاهرات محدودة بعد نشر المقاول والفنان محمد علي سلسلة من الفيديوهات انتهت برد قمعي عنيف من الأمن. يرى هاميلتون أن هذه المفارقة تُعبّر عن مدى التجريف والحصار العقلي الذي وضعنا فيه نظام السيسي حتى أصبحنا منفصلين عن العالم، مُحاصَرين بصورِه ومشاكلنا المحلية الضيقة.

فرضية عمر الأساسية "نحن مغيّبون عن العالم"، لكن حركة المناخ المدعومة من اقتصاديات وشركات الطاقة الخضراء وعمالقة كاليفورنيا، بالطبع، ليست حركة مغيّبة. مظاهرات المناخ التي تستغل الأطفال والمراهقين مثل جريتا ثونبرج وتُصدّرهم كوجوه إعلامية ليست حركات مغيبة، ولا تستخدم نفس التكتيكات التي تستخدمها الحركات الإسلامية من تصدير الأطفال للخطابة وإلباس الفتيات الحجاب وإطلاقهم في القنوات والمنصات الإعلامية.

بعد تأسيس هذه الفرضية ينطلق عمر في سرد مجموعة من أشباه الحقائق والنبوءات. والتنبؤ هو الأسلوب المفضل لدى مدعي الحفاظ على البيئة ووسيلتهم الأساسية في نشر الهيستيريا والرعب على طريقة "إلحقوا إسكندرية هاتغرق بعد سنتين" بينما سكان الإسكندرية غرقانين بالفعل في المجاري الطافحة منذ سنوات. بل إن تاريخ مدينة كالإسكندرية هو تاريخ تشييدها ثم غرقها ثم تشييدها من جديد، وتحت شواطئ المتوسط نكتشف كل يوم أجزاء من المدينة القديمة التي كانت موجودة منذ ألفي عام. نشر هيستيريا غرق المدن يا عزيزي؛ أمر ليس بالجديد على سكان هذا الجزء من العالم.

"هابي نيو يير يا عم سعيد". الصورة: سكرينشوت، فيلم جاءنا البيان التالي

في المقابل؛ تؤثر هذه الهيستيريا ونشر الرعب على المواطن الغربي لأن لديه منزلًا ونظام رعاية صحي وتأمين اجتماعي وحدائق خضراء، وبالتالي فإن إرعابه بفقدان كل ذلك بسبب التغير المناخي قد ينجح هناك، لكن مواطن الجنوب الذي لا يمتلك أى شيء ويعيش في رعب ويحلم بالحد الأدنى من شروط الحياة الإنسانية الكريمة، لماذا يقلق من تغير المناخ أو ارتفاع درجة حرارة المحيط بعد خمسين عامًا. هذا المواطن لا يضمن أن يحيا حتى آخر الشهر.

في سرد بديع يكشف عمر في مقاله شبكات المصالح التي تربط شركات الكربون بالأنظمة الاستبدادية. طبعًا في المقال يركز على علاقات شركات الكربون مع أنظمة مصر والسعودية وإسرائيل، لكن لا ذكر لقطر أو إيران أو العراق أو فنزويلا أهم الدول المصدرة للوقود الأحفوري بأشكاله المتعددة، لكن ربما في يوم ما حين يتعارك الشيخ تميم مع جيف بيزوس وينحلّ شهر العسل بين النظام الإيراني والحزب الديمقراطي الأمريكي قد نرى مقالات في الواشنطن بوست والجارديان تنتقد الأدوار التخريبية لتلك الأنظمة على المستويين البيئي والسياسي.

كل هذه الملاحظات يمكن التصالح معها، لكن المفاجئ لي هو ما انتهى إليه عمر في مقاله والحل الذي يطرحه، ويتمركز حول ضرورة التضامن مع حركة مناهضة تغير المناخ في الشمال والاهتمام بالعقد الأخضر الجديد.

قد يكون هذا العقد في صالح شعوب الشمال البيضاء لكن بالنسبة لدول الجنوب فهو كارثة جديدة تضاف إلى مجمل كوارثنا. عمر نفسه يعلم ذلك، لكن بدلًا من الاعتراف بمدى كارثية الاتفاق الأخضر علينا يخفف الأمر قائلًا "هناك عددًا من النقاط في «العقد الجديد الأخضر» ليست في مصلحة الجنوب العالمي".

الحقيقة أن الخلاف مع الأطروحات الخضراء ليس على مجموعة نقاط، بل لأن الأطروحة في فلسفتها وإجمالها هي إعادة استعمار للجنوب.

مواطن قطري يهتف "جو جرين.. جو سولار" في مظاهرة ضد التغيرات المناخية بالدوحة عام 2012. الصورة: أوكسفام- فليكر، مفتوحة المصدر

سنحتلكم لننظفّكم

تعيد مبادرة العقد الأخضر إنتاج الصورة الاستعمارية القديمة للإنسان الأوروبي الأبيض الذي يتخيل نفسه رسول العناية الإلهية لإنقاذ الكوكب وشعوب الجنوب. مجمل الأطروحات المقدمة من نشطاء البيئة في الشمال تقتضي حصار دول الجنوب، والتضييق على حقها في استغلال الطاقة وتصديرها لتحقيق أي قدر من النمو والتقدم. استهلكت أوروبا موارد هذا الكوكب لأكثر من قرنين حتى يعيشوا اليوم في المستوى الذي يتمتعون به.

الآن حين تحاول دول الجنوب القيام بهذا وتحقق متطلبات بسيطة لشعوبها مثل توفير الطاقة وخلق مجتمع يشبه المجتمع الصناعي، أو تنشئ مصنع سماد لتحسين خصوبة أراضيها يطالبنا مراهقو أوروبا بالتخلي عن كل هذا والعودة إلى الرياح والشمس والطبيعة.

يا أخي نحن نكره الطبيعة. نحن نعيش في فقر وجهل وتخلف. نحتاج للغاز والفحم والطاقة النووية ومصادر الطاقة المختلفة الدائمة والمستقرة، لكي نستمتع بالكهرباء ونشغّل محطات الصرف الصحي حتى لا نغرق في المجاري. فبدون الكربون لا حياة لشعوبنا ولدول هذه المنطقة.

صحيح أن نسبة الملوحة ترتفع في أراضي الدلتا، لكن لا يمكنني أن أقف ضد إنشاء مصانع الأسمدة التي توفر السماد لفلاحي هذه المنطقة بدعوى أن انبعاثات الكربون تُغضب جريتا في السويد.

يناضل ثوار العراق منذ شهور مطالبين بمحاربة الفساد ومراقبة قطاع النفط وتوجيه عائداته لصالح الشعب العراقي. تخيّل أن تذهب إليهم بأطروحاتك عن العودة إلى الشمس والهواء والتخلي عن مصدر الثروة الوحيد القادر على انتشالهم من فقر سنوات الحصار والحرب؟

يدرك عمر مدى انعدام العدالة الاجتماعية داخل الحركة البيئة في الشمال، أو كما يقول هو بألفاظه "هناك «عقد جديد أخضر» يقرر فيه ناشطو البيئة من دول الشمال، بعد أن حققوا «صفر صافي» في بلادهم، أن ينبذوا البلاد التي -بالتأكيد- ستكون متأخرة عنهم، فيعيدوا تصوير "البدائي /الإرهابي/ الأصولي" على أنه «مُلَوِّث»، ويُحكِموا الحدود ويتجاهلوا الدين الفادح المُستَحَق عليهم من الكربون والاستعمار ليحافظوا على وضع معهود ومستقر".

صراع الديناصورات القديمة والجديدة

سياق سياسات ما يعرف بالاتفاق الأخضر الجديد هو جزء من الصراع داخل المنظومة الرأسمالية بين الديناصورات القديمة: شركات الكربون والبترول والغاز، وشركات الرأسمالية الجديدة: وحوش كاليفورنيا وشركات الطاقة النظيفة في الصين وأوروبا. لا فائدة لنا في الانحياز لأي من الطرفين، بل في وضعنا الحالي علينا أن نشعر بالخجل ونحن نروّج لهذه الأفكار الخضراء.

صحيح أن نسبة الملوحة ترتفع في أراضي الدلتا، لكن لا يمكنني أن أقف ضد إنشاء مصانع الأسمدة التي توفر السماد لفلاحي هذه المنطقة بدعوى أن انبعاثات الكربون تُغضب جريتا في السويد. لا يمكنني أن أطلب من أهلي المزارعين المُحاصَرين بديون البنك الزراعي وتضييق الحكومة عليهم في زراعة الأرز التخلي عن استخدام الديزل في تشغيل ماكينة الري لأنهم بذلك يدعمون اقتصاد الكربون وعليهم بدلًا من ذلك شراء ألواح الطاقة الشمسية ودعم الشركات الدنماركية الخضراء.

تحتقرنا الحركة البيئية الخضراء الغربية على المستويين النظري والعملي، بل حتى لا يريدوننا معهم في الصورة، ولا أدلّ على ذلك مما حدث مؤخرًا من قص صورة الناشطة البيئية الأوغندية فانيسا ناكاتي أثناء مشاركتها في مؤتمر دافوس. أساسًا؛ دعوة هؤلاء النشطاء إلى منديات مثل دافوس دليل إضافي على استخدامهم كوردة في عروة بدلة الرأسمالية الحاكمة.


كان أولى بعمر بدلًا من أن يتوجه بمقاله لنا ويطالبنا نحن بالتضامن مع حركة البيئة في الشمال؛ أن ينتقد سياسات الحركة البيئية الأوروبية التي يتفاخر بأنه عضو فيها، أو ينتقد التحالف السياسي بين الخُضر أنصار البيئة اليساريين، واليمين المحافظ في دولة مثل النمسا قبل أسبوعين، مقابل التزام هذا اليمين بالحد من توسعات شبكة السكك الحديدية باعتبارها ملوثة للبيئة، وكذلك زيادة الضرائب على رحلات الطيران.

نحن مبضونون من الهراء الاستعماري الذي ينهمر علينا من الشمال، ومن رؤية الرجل الأبيض لنفسه بأنه السوبرمان القادر على إنقاذ الكوكب، لكنه وبعد أن حصَدَ الأرباح، يريد الآن تحميلنا فاتورة إصلاح الكوكب وارتفاع درجات الحرارة التي تسبب فيها هو، وليس نحن.

انقذوا السلاحف

نحن لا نعيش في الماضي أو خارج حركة التاريخ. بل نحن الوقود الذي يحترق في حركة التاريخ، نحن الذين نموت غرقًا على سواحل المتوسط، من أجل أن يظهر نشطاء البيئة في التلفزيون ليصرخوا ويبكوا على البلاستيك الذي يقتل السلاحف في المحيط.

نحن مبضونون من الهراء الاستعماري الذي ينهمر علينا من الشمال، ومن رؤية الرجل الأبيض لنفسه بأنه السوبرمان القادر على إنقاذ الكوكب، لكنه وبعد أن حصد الأرباح من استغلال ثروات هذه الشعوب لقرون من الزمن، يريد الآن تحميلنا فاتورة إصلاح الكوكب وارتفاع درجات الحرارة التي تسبب فيها هو وليس نحن.

مبضونون من الخطاب الاستعماري الذي تكرره علينا بلوم، والاقتراحات العبثية غير العادلة التي تطرحها في مقالك مثل مقاضاة الشركات العالمية العاملة في السوق مثل إيكيا لاجبارها على تركيب ألواح للطاقة الشمسية. لن أدعوك للتوجه فورًا إلى دمياط والتقدم بهذه الاقتراح لصناع الأثاث هناك واستقبال رد فعلهم بنفسك، وإنما حسنًا يا عمر لنتفرض أن ناشطًا مصريًا أراد رفع دعوة قضائية ضد شركة إيطالية أمام محكمة إيطالية لأنها تلوث الهواء بالكربون.. هل تعرف أول عقبة ستواجهه؟ أن إيطاليا لن تمنحه الفيزا للدخول إلى الجنة الأوروبية.

موجة الجفاف التي ضربت أراضي موزمبيق 2015. الصورة: ليبولدينو جيرونيمو- فليكر، مفتوحة المصدر

اقتراحات عمر في نهاية مقاله هي ما دفعتني لكتابة هذه الرد والعتاب، لأنني اندهشت من خروج بعض الاقتراحات الاستعمارية منه فمثلًا لإنقاذ البيئة ودول الشمال من الغرق يقترح عمر "سنحتاج نظامًا لإعادة التوزيع يكافئ البلاد التي تمتلك احتياطيات كبيرة من الوقود مثل موزمبيق لكنها تفتقر ربما إلى الاحتياطيات المعدنية، يكافئها على عدم استغلال احتياطها من الوقود الأحفوري. ويمكن مثلًا تكليف موريشيوس، وهي دولة من الممكن أن تتلاشى قريبًا ولذا ليس لديها أي وقت للفساد، بالرقابة على أجهزة فرض القانون".

قرأت الفقرة السابقة أكثر من مرة غير مُصدّق، فهذه الفقرة وكأنها مقطع من قرارات مؤتمر برلين عام 1884، حينما اجتمع قادة أوروبا في قصر رادزيويل وجلسوا بالقلم والمسطرة يقطعون أفريقيا ويقسمونها ويوزعونها ويحددون المهمات. وها هم أبناء هذا الخطاب يكتبون المقالات في 2020 ليحددوا ما الذي يجب أن تفعله موزمبيق ومورشيوس ومَن يراقب مَن، ومَن يفرض الوصاية على مَن.

الآن بسبب الحدود أوقفنا هذه الطبيعة الإنسانية، ويتحصن الرجال البيض في حدودهم الشمالية تحت دعوى السيادة والدفاع عن الخصوصية الثقافية وعدم جواز تدنيس أوروبا بأقدام المهاجرين واللاجئين.

افتح بنموت

يطرح عمر حلوله بدعوى إنقاذ الكوكب والبيئة، مثلما كان الأجداد الأوروبيون يطرحون خطاباتهم الاستعمارية بدعوى التنوير ونشر الحضارة وانتشال الجنوب من الظلام والأمراض.

يستمر عمر في طرح الأفكار الخيالية، دون التطرق إلى الفكرة الواحدة المنطقية لمقاومة التغير المناخي:
إذا كان مناخ الكوكب يتغير، فعلينا نحن كبشر أن نتغير. لا بأن نعود إلى الطبيعة وطاقة الشمس والرياح فقط، بل أن نُسقِط الحدود ونطلق حرية البشر في التنقل والهجرة. أن نطالب من أجل الكوكب، الآن لا غدًا، بإسقاط الحدود ومفاهيم الدولة القومية، بالتضامن مع اللاجئين ومع حق الهجرة دون شروط أو قيود.

يُقدّر عمر البشر على الكوكب بأكثر من خمسين ألف عام، خلالها كانت الهجرة والتنقل بسبب التغيرات المناخية هي الوسيلة التي كفلت للبشر البقاء والاستمرار على سطح هذا الكوكب. فحين ضرب الجفاف القرن الأفريقي منذ آلاف السنين هاجر أسلافنا من الجنوب إلى الشمال مطورين مهارت جديدة للبقاء مثل تناول اللحم والصيد والقنص، الآن بسبب الحدود أوقفنا هذه الطبيعة الإنسانية، ويتحصن الرجال البيض في حدودهم الشمالية تحت دعوى السيادة والدفاع عن الخصوصية الثقافية وعدم جواز تدنيس أوروبا بأقدام المهاجرين واللاجئين.

حتى لو نجح الاستعماريون الخضر الجدد في فرض أجندتهم غير العادلة على شعوب الجنوب فلن يوقفوا عجلة التغير المناخي، كل ما سيحدث هو إبطاء قدوم الكارثة، وبدلًا من غرق السويد بعد 50 عامًا ستغرق بعد مائة عام. والحل؟ الحل أن نتحرر من وهم الحدود القومية ونستعيد كبشر حقنا في السفر والتنقل والهجرة.

لكن الرجل الأبيض لا يريد التخلي عن امتيازاته بالطبع، ولا أن يدفع الثمن، بل يريدنا نحن أن ندفع الثمن، ويريد عمر في مقاله بدلًا من أن نتضامن مع أنفسنا، أن نتضامن مع جريتا وإخوتها البيض.

لا يا عزيزي، نُفضّل أن نستمر في متابعة صفحات المميز والتضامن مع الزعيم الناحّو عادل شكل، بدلًا من السير مخدرين نحو حتفنا خلف مراهِقة أوروبية ونردد خطابات استعمارية لا ترانا بالأساس ولا تسمح لنا بدخول بلدانهم.