صورة برخصة المشاع اﻹبداعي. فليكر: Taymaz Valley

رغم أنف الدولة البوليسية: ولادة MeToo في الصين

تم ترجمة هذا النص بعد الحصول على موافقة مؤلفته، الصحفية سيمينا ميسترينو مراسلة وكالة الأنباء الألمانية في الصين.

"مع كل يوم كنت أطالب بإطلاعي على الجديد في التحقيقات، ومع كل يوم كان يستغلون صبري، متوقعين تراجعي عن القضية".
- لوو شيشي، ضحية تحرش وناشطة صينية

جوانزو، الصين- كانت صوفيا هوانج منشغلة عن طعامها الذي أصبح باردًا، بالنقر بأصابعها على هاتفيها المحمولين، ماركة آي فون، حيث كانت تجلس في مطعم بوسط مدينة جوانزو الواقعة جنوب الصين.

لتوهها اكتشفت هوانج تكريم الدولة الصينية للأستاذ الجامعي تشين شياوو، بمنحه أرفع جائرة بحثية، وهو المتورط في واقعة تحرش بطالبة صينية أدت إلى تفجير حركة "أنا أيضًا" MeToo في الصين يناير/ كانون الثاني 2018. بدورها، نشرت هوانج بكثافة على شبكات التواصل الإجتماعي، في الوقت نفسه كانت ترسل رسائل نصية إلى ممثلي الجامعة، حيث يعمل تشين.

"هو يريد العودة إلى الساحة من جديد" قالت هوانج بينما لم ترفع عينيها من على شاشتي الهاتفين المحمولين. "لا يمكننا السماح بذلك".

تنتمي هوانج إلى مجموعة من الناشطات النسويات، أغلبهن ينحدرن من مدينة جوانزو اللواتي أطلقن حركة مي تو في الصين، وعملن على نموها.

وكانت موجة من الغضب المُبرر، والتي انطلقت في أبنية الحرم الجامعي، قد نجحت في اختراق الحواجز المفروضة من الرقابة على الإعلام والإنترنت في الصين.

ولكن بالنسبة لهوانج وغيرها من قادة الحركة النسوية، هذا يعني المشي على حبل في السيرك: موازنة كلا من غضب واحباط النساء ضد السلطة، والنظام اﻷبوي الذي ينقض على أي جماعة قد مثلت تهديدًا لسلطته. وبالفعل كانت حركة مي تو بالصين حققت تغييرًا حقيقيًا، ولكنها أيضا قودت نفسها بنفسها تجنبًا لاستثارة أي رد فعل قد ينهي الحركة، بينما تحاول تحقيق أقصى استفادة مما وصلت إليه الحركة من قوة.

"نحن أبناء جيل مٌهمش واستئنائي في الوقت ذاته".
- شياو ميلي، ناشطة نسوية صينية

إن القائدات النسويات حاصلات على درجة عالية من التعليم العالي، كما إنهن محنكات سياسيًا. وبناء على هذا، فإنهن لكي يتجنبن أي هجمة من النظام، فإنهن لا يحشدن الجماهير ولا يدعين إلى مظاهرات عامة. عوضًا عن ذلك، فإنهم يوظفن الشبكات الاجتماعية بمهارة، ويتفاوضن مع السلطات الصينية، ويقدمن الدعم للناجيات من التحرش الجنسي. وحتى قبل أن يطرحن القضية للنقاش، توصلن إلى حلول عملية، من شأنها ألا تتحدى الدولة، مثل اقتراح تشريع ضد التحرش الجنسي، وآليات لمنعه في الحرم الجامعي، وخط نجدة للضحايا.

"نحن أبناء جيل مٌهمش واستئنائي في الوقت ذاته" قالت شياو ميلي، واحدة من أشهر النسويات في الصين، والتى بدأت نشاطها النسوي منذ عام 2011. إن الحركات الإجتماعية، كما قالت، تحدث "عندما تتحسن الظروف العامة، ثم تسوء مجددًا".

في يوم هادئ من شهر مارس/ أذار 2015، رن هاتف وي تينجتينج المحمول وأخبرتها السيدة على الهاتف إنها ضابطة شرطة، ثم قالت "بكين تشهد رياح شديدة، لذا من فضلك تذكري ألا تذهبي إلى الخارج كثيرًا".

بدورها أجابت وي "نعم، أنا على علم بذلك". هكذا اخُتتمت محادثتهما الهاتفية.

وي، الفتاة القادمة من جنوب الصين، لم تكن في حاجة إلى أن تدوم المكالمة أطول من ذلك. هي على علم بأنها وزميلاتها الناشطات تلقين تحذير بإلغاء المسيرة، التي خططن لحدوثها في السابع من مارس، قبل يوم واحد من اليوم العالمي للمرأة، مستهدفات توزيع ملصقات مكافحة التحرش الجنسي على الركاب في مترو بكين.

قوات الشرطة لم تخرج عن المعتاد والمتوقع منها أثناء فترات حساسة، فالمعارضون المعرفون عادة ما تسدي إليهم الشرطة نصحية بـ" خذ إجازة من أجل صحتك." وتلك الفترة كانت حساسة للغاية حيث إن الجلسة السنوية لمجلس الشعب الصيني كان قد انعقدت لتوها في الخامس من مارس 2018. تٌعد الفترة التي تشهد انعقاد الجلسات السنوية للبرلمان في الصين هي وقت الذروة لجامعي التوقيعات الذين يعانون من الظلم من الموظفين المحليين، حيث يحاولون جذب الأنظار إلى قضيتهم، في حال تمكنوا من تجاوز تكتلات القوات البوليسية التي تغلق بدورها وسط المدينة.

في نهاية المطاف، وصلت الشرطة في قرارة نفسها إلى أنه ليس من المرجَّح أن تنصاع وي ورفيقاتها لتحذيراتهم. وفي السادس من مارس، قبل يوم واحد من المسيرة المخطط لها، اعتقلت عناصر الشرطة وي وأربع من زميلاتها، اللاتي صرن معروفات عالميًا بـ"النسويات الخمس". واعتُبر اعتقالهن لمدة 37 يومًا بمثابة رد فعل مبالغ فيه ووحشي من جانب بكين، مما أثار إدانة دولية.

بدلًا من إحراق المدينة بأكملها

صرحت وي إن استجواب الشرطة لها لساعات طويلة تركها في حالة صدمة. ولكن مع إطلاق سراحها، تغيَّر الأمر حيث غمرها شعور رائع جراء الدعم الذي تلقته من داخل وخارج الصين. كانت الصين قد شهدت نمو حركة نسوية ترعرعت بفضل منظمات، مثل "أصوات نسوية"، التي بدورها عقد فعاليات في الجامعات، جنبًا إلى جنب مع خلق وجود مؤثر على شبكة الإنترنت.

في عام 2016، انتقلت وي إلى مدينة جوانزو، حيث تعيش مع شريكتها في شقة مطلة على نهر بيال (لؤلؤة). هناك أسست منظمة نسوية جديدة، مركز جوانزو التعليمي للجندر والجنسانية. وعن هذا قالت إنها تحاول "بطريقة ما التعاون مع الحكومة الصينية" بدلًا من "إحراق المدينة بأكملها"، أو عوضًا عن اعتبارهم كأعداء لسلطات البلاد.

هي لا تزال تنتقد حكومة بكين، لكن بات توقيت وفحوى رسائلها أكثر حرصًا. فأحد أهدافها الجديدة هو التأصيل البحثي لنضالها ضد التحرش الجنسي. بينما توجد بعض الأبحاث المنشورة عن العنف الجنسي في الصين، فإن الاحصائيات الرسمية إما غائبة أو ناقصة، تلك الفجوة تعزم وي على سدها. فهي قد تستطيع التأثير على الإعلام من خلال جمع البيانات، مثل النتائج التى توصلت إليها دراسة أطلقتها منظمتها في عام 2017، حيث وجدت أن قرابة 70 من عينة البحث من طالبات الجامعة تعرضن إلى عنف أو تحرش جنسي. وجدت الدراسة طريقها إلى صحيفة التابلويد القومية جلوبال تايمز التى نشرت اقتباسات منها، كما دعيت وي للحديث عن التحرش الجنسي في برنامج بثته القناة الحكومية CGTN أثناء الجلسة البرلمانية.

في مدينة جوانزو التقت وي بصوفيا هوانج، صحفية استقصائية. بينما هزت حركة مي تو هوليود في أكتوبر 2017، فإن هوانج التي تحرش بها جنسيًا زميل عمل سابق، يعلوها في المكانة الوظيفية، في خدمة الأخبار الصنيية، قد قررت أن الصين هي الأخرى في حاجة ماسة إلى تصفية الحساب. نشرت صور لها حاملة لافتة عليها هاشتاج مي تو، وذلك على خدمة تبادل الرسائل Wechat. في محاولتها دعوة صديقات لدعمها ومشاركة قصصهن الخاصة، وجدت أن النساء إما محرجات من الإفصاح أو يبقين صامتات تحت ضغط من عائلاتهن.

ألهمت وي في تكريس وقتها للتنقيب عن البيانات صوفيا، التي قررت أن تعمل على مسح عن التحرش الجنسي بين الصحفيات الصينيات، وهي الدراسة التي بدورها جذبت أنظار الإعلام الدولي.

كسر حاجز الصمت

بالتزامن مع ذلك، كانت لوو شيشي، مبرمجة في ولاية كاليفورينا الأمريكية، تبدأ يومها كل صباح بمشاهدة تقارير تلفزيونية عن حركة مي تو على محطة فوكس نيوز.

تلك الأخبار قضت عليها مضجعها لأنها ذكرتها بتجربة مرت عليها سنوات، ووقعت في جامعة بيهانج في بكين. قالت لوو إن تشين شياو، أستاذ علوم الحاسوب، ومشرفها السابق على رسالة الدكتوارة، قادها إلى شقة شقيقته، حيث يمكنها أن "تراعي النباتات". بمجرد وصولها إلى المكان، حاول أن يغتصبها بعد أن أغلق الباب. "أنا عذراء" صرخت لو في وجه مشرفها، وكان ذلك الشيء الوحيد الذي أنقذها من محاولة اغتصابه لها.


اقرأ أيضًا: المرأة الإيرانية.. محاولات مستمرة لكسر أسوار الفقيه


التزمت لوو الصمت حيال ذلك الحادث لأكثر من عقد من الزمان. عن ذلك قالت "ربما تسبب صمتي في وقوع مزيد من الفتيات كضحايا. أقول لنفسي، كلا، يجب أن أكسر حاجز الصمت. لم يفت الآوان بعد".

في حقيقة الأمر، المزيد من ضحايا الأستاذ الجامعي، تشين، قد وجدون الطريق لبعضهن البعض. لقد جمعتهن لو في مجموعة على تطبيق وي شات، أطلقت عليها اسم هارد كاندي Hard Candy، تيمنًا بفيلم من إنتاج عام 2005، عن مراهقة تنتقم من المعتدين جنسيًا. من جانبها، جمعت لو الأدلة على جرائم الاعتداء الجنسي في أكتوبر 2017، وقدمتها إلى جامعة بيهانج. من جانبها، عرقلت المؤسسة عملها، كما قالت لوو (جامعة بيهانج رفضت الإجابة على أسئلتنا الصحفية في هذا الشأن).

"مع كل يوم كنت أطالب بإطلاعي على الجديد في التحقيقات" قالت لوو، "ومع كل يوم كان يستغلون صبري، متوقعين تراجعي عن القضية".

بعد أن قرأت عن عمل صوفيا على حركة مي تو في الصين، تواصلت لوو معها في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي. واصل كلاهما معًا الضغط على بيهانج ولكن دون نتيجة ملموسة. المسؤولون في الجامعة، الذين كانوا على علم بأن القصة ستُنشر، قاموا على الفور بوقف تشين، وأعلنوا بدء التحقيقات معه. تباعًا، خاطبت صوفيا جامعة بيهانج، مطالبة إياهم بوضع آلية لمكافحة التحرش الجنسي. وفي بضعه أيام وقّع خطابها أكثر من ثلاثة آلاف شخص.

وفي غرة يناير/ كانون الثاني 2018، نشرت لوو روايتها الشخصية زاعمة اعتداء شين عليها، وبالتزامن نشرت على مواقع التواصل الاجتماعي تفاصيل الاعتداء. في التو واللحظة أصبح المنشور حديث الساعة على شبكات التواصل الإجتماعي.

لي لي تشانج، ناشطة نسوية أخرى من مدينة جوانزو، تمكنت سابقًا من إثارة حنق السلطات جراء تحويل نفسها إلى لافتة إعلانية في المواصلات العامة ضد التحرش الجنسي. ودعت جحافل من متابعيها على شبكات التواصل الاجتماعية الصينية إلى كتابة رسائل إلى جامعتهم. زودتهم بنموذج لذلك الخطاب يضم خمسة مطالب؛ تدريب لهئية التدريس على منع التحرش الجنسي، ودروس للطلاب، وتوفير آلية لقبول بلاغات التحرش، وإطلاق مسح نصف سنوي، وإنشاء قسم الشكاوى.

خلال بضعة أيام، وقع أكثر من 8000 البيان وأرسلوه إلى 16 جامعة في الصين. وخلال أسبوعين من نشر لوو قصتها، فصلت جامعة بيهانج تشين، وأصدرت وزارة التعليم العالي بيانًا نادرًا، بانتهاج سياسة عدم التسامح مع ارتكاب الأساتذة الجامعيين انتهاكات جنسية، متعهدة بمحاربة التحرش الجنسي في الحرم الجامعي. وبدخول الحكومة الصينية على الخط، نجت كل ردود الفعل على قصة لوو من الرقابة.

تقول تقارير إن تشين مازال بلا عمل، وبعد عدة شهور كانت الصلة التي أقامتها (صوفيا) هوانج مع جامعته أدت إلى شطب اسمه من قائمة المنح البحثية. وكان للتنظيم الدقيق لمجموعة النساء والمتابعة السريعة دورًا حاسمًا في إطلاق حركة MeToo في الصين.

تبع ذلك سيل من قصص النساء. غمرت قصص ضحايا التحرش قادة النسويات، فهؤلا النسوة تقطعت بهن السبل؛ لم يهتدين إلى وجهة للحديث عن تلك الانتهاكات. حاولت "هوانج" و"وي" مساعدة الناجيات بإيصالهن إلى المحامين والمعالجين النفسيين.

كان حادث موتها مفجعًا لأن الناس على مواقع التواصل الاجتماعي شجعوها على القفز، بينما كان المتفرجون عليها يهللون لها وصفقوا عندما قامت بذلك الفعل.

واقعة أخرى تخص الطالبة بجامعة الصين للبترول، رينيه رين، التي تواصلت مع "هوانج" و"وي"، وقررت مقاضاة الشرطة في مدينة كينجداو الساحلية، في أبريل/ نيسان 2018، جراء تعاملهم في تحقيقات عن واقعة اغتصابها في الحرم الجامعي. تحديها الاستثنائي أماط اللثام عن سلسلة من انتهاكات الجامعة، منها احتجاز رين وعائلتها في غرفة فندق لستة أيام أثناء قمة سياسية في المدينة. عندما زرت حرمها الجامعي في الصيف، رفض مسؤولو الجامعة الحديث إليَّ، واستدعى موظف الاستعلامات الأمن لي.

جرحت رين رسغها في محاولة للانتحار في الأيام الأخيرة من شهر مايو/ أيار، فاحٌتجزت في المستشفى. أما في جوانزو قضت هوانج ليلتين بدون نوم، وطلبت من معالج نفسي متطوع وإخصائي اجتماعي زيارتها في المستشفى، ولكن الشرطة منعتهم من رؤيتها، وعوضًا عن ذلك حققت معهم لساعات في قسم الشرطة المحلي.

في يوليو/ تموز، قضت فتاة فتاة تبلغ من العمر 19 سنة نحبها، بالقفز من الطابق الثامن في مقاطعة جانزو الشمالية. وكانت المراهقة "لي يي يي" قالت إن معلمًا بالمدرسة تحرش جنسيًا بها. كان حادث موتها مفجعًا لأن الناس على مواقع التواصل الاجتماعي شجعوها على القفز، بينما كان المتفرجون عليها يهللون لها وصفقوا عندما قامت بذلك الفعل.


اقرأ أيضًا: حوار مع تهاني عباس عن آفاق التضامن النسوي بعد سنوات البشير

وبقدر ما كانت قصص أولئك النسوة ثقيلة على النفس، فإن شهر يوليو لم يكن أقل وطأة، حيث جاء معه المزيد من الحالات البارزة.

في غضون أيام قليلة، قدمت أكثر من عشرين امرأة بلاغات بادعاءات اعتداء جنسي ضد رجال ذوي نفوذ، وشمل ذلك رؤساء منظمات أهلية، ومقدم تليفزيوني شهير، وكاتب في مجلة، واثنين من مدربي التنس، وراهب بوذي بارز.

مقاضاة الضحايا

وما كان إلا أن حاول العديد من الرجال التنصل من الاتهامات. منهم مقدم سابق لأحد أكثر البرامج مشاهدة في الصين، مهرجان ربيع جالا، والذي اتهمته متدربة بالتحرش بها، فقام بمقاضاتها لـ"نشر شائعات". وردًا على اتهام باغتصاب سيدة مخمورة، نشر تشانج وين، كاتب عمود بأحد المجلات، على شبكات التواصل الاجتماعي، قائلًا "أمر فطري للغاية أن يحدث تواصل جسدي حميمي بين النساء والرجال مثل العناق والقبل بعد احتساء مشروب كحولي". وهذا ما دفع امرأة أخرى، وهي كاتبة مشهورة، أن تتهمه بالإساءة الجنسية.

حدثت بعض الانتصارات الصغيرة. في عالم منظمات المجتمع المدني، وتنحى على الفور الرئيس البارز لمنظمة غير ربحية لمرضى الالتهاب الكبدي ب، لي تشوانج، بعد اتهامه بالإساءة الجنسية لامرأة. ترددت أصداء الاتهامات في عالم منظمات المجتمع المدني مما دفع الناس إلى التفاعل مع ذلك. في بضعة أيام، وقعت أكثر من مائة منظمة غير ربحية بيانًا بالتعهد ببناء آليات مناهضة للتحرش الجنسي. انقض المراقبون على البيان، الذى اقترح أن تنظم المنظمات ورشة عمل لمكافحة التحرش الجنسي كل عام، وإدراج الموضوع في أوراق التوظيف، وإنشاء نظام لمتابعة الشكاوي، كما ذكر الموقع الإلكتروني لمنظمة "وي".

"يذكر الناس تلك القصص، ويشعرون بالغضب حيالها، ولكنها ليست بالأمر الذي يُمكن الضغط عليه، وبالتالي يطويها النسيان".
- لي لي تشانج، ناشطة نسوية

كان التأثير الملموس هو أن المنظمات غير الربحية في الصين، كانت القطاع الأول في المجتمع الذي يتبنى إجراءات شاملة لمكافحة التحرش الجنسي. عن ذلك قالت تاي فنج، التي تدير خط نجدة للإبلاغ عن التمييز الجندري في مكان العمل، إن منظمات المجتمع المدني الصينية كانت سبَّاقة في إحداث تغيير لأنها بشكل عام لا تتمتع بأي نفوذ قوي. بدورها، بدأت تاي في إعداد كتيب يشرح بالتفصيل الإجراءات الواجب اتباعها عند التعرض لتحرش، بعد أن انهالت البلاغات الهاتفية عن التحرش الجنسي على خط النجدة.

قصص يطويها النسيان

قد يبدو لوهلة أن اﻷمر صادمًا، عندما حُشد، في أيام قليلة، عشرات الآلاف من شباب الصينيين، ثم الملايين منهم. لكن الأمر لم يكن مفاجئًا كما قالت تشانج. لقد قرأ الناس عن حوادث مشابهة في سنوات ماضية، مثل إدعاءات الإساءة الجنسية في جامعة شيامن ومعهد سيتشوان للفنون الجميلة وأكاديمية بكين للفيلم، وفُرضت آنذاك الرقابة على هذه الروايات بعد فترة وجيزة من الإفصاح عنها. تابعت تشانج قائلة "يذكر الناس تلك القصص، ويشعرون بالغضب حيالها، ولكنها ليست بالأمر الذي يُمكن الضغط عليه، وبالتالي يطويها النسيان".

"ومن ثم فإن حركة MeToo ليست فقط فقط ضد التحرش الجنسي، بل هي نضال ضد هذا الضغط، نضال ضد الرقابة"، قالت تشانج.

أما الحكومة الصينية فشعرت بالضيق الشديد من الحركة النسوية منذ بادئ الأمر، فقيادة الحزب الشيوعي، المقصورة على الذكور تقريبًا، متحسسة من أي شئ من شأنه أن يمثل تحريضًا للمجتمع والتشكيك في شرعية قيادته. فسرعان ما تحول رد فعل الحكومة المبدئي الإيجابي، حيث تعهدت بالتحرك إثر قضية تشين، إلى حملة قمع. أزالت البيانات، وراقبت شبكات التواصل الاجتماعي، وعطلت هاشتاجات مثل #MeToo في الصين على موقع "ويبو" Weibo، المماثل لتويتر وذائع الصيت في الصين، ولكن يخضع للرقابة المشددة من الحكومة.

هذا فجر طاقات الإبداع عند الحركة النسائية، مستغلات المهارات التي طورها مستخدمو الإنترنت نتيجة خبراتهم الطويلة مع الرقباء. انتقلوا من تبادل النصوص إلى الصور، أداروا سباق تسلح ضد تقنيات فلترة الصور لدى السلطات؛ استخدموا رموز الاستجابة السريعة لإرسال البيانات بسرعة إلى المستخدمين قبل أن تقوم السلطات بالإجهاز عليها؛ واستخدمت الرموز التعبيرية (إيموجي) في نقل رسائل مشفرة. أصبحت الرموز الجديدة تشمل وعاءً من الأرز (mi) وأرنبًا (tu).

في مارس 2018، حظرت كلا من "ويبو" و"وي تشات"، شبكات وسائل التواصل الاجتماعي المنتشرة، حسابات عدد من الأصوات النسوية المؤثرة في البلاد. كما أقدمت عناصر من الشرطة على التواصل مع أفراد عائلة وأصدقاء ناشطات جوانزو متسائلين عن أنشطتهن، وفي نفس الوقت موجهين "نصيحة ودية" بإيقافها.

بالتزامن مع ذلك، حرصت الناشطات النسويات على الإبقاء على شعرة معاوية مع السلطات الصينية من خلال عدة قنوات منها إعلام الدولة. عملوا مع محامين، أعضاء من لجنة النصح بالبرلمان الصيني، الذين بدورهم قدموا إلى البرلمان الصيني (مجلس الأمة) في مارس مقترحات لمعالجة التحرش الجنسي، تحرك رمزي هائل وإن كان من غير المرجح ألا يأت بثماره على الفور. في الماضي، استغرق اﻷمر عقدًا أو أكثر لسن تشريعات تقدمية، مثل قوانين التمييز ضد المعاقين أو تدابير مكافحة العنف المنزلي، عقدًا أو أكثر، وذلك للانتقال من المسودات الأولى إلى القوانين الفعلية الواردة في الكتب، وحتى في بعض الأحيان تبقى القوانين غير مٌفعلة.

عندما أعلنت الحكومة الصينية في أغسطس/ آب الماضي إضافة بند عن التحرش الجنسي إلى مسودة القانون المدني الجديد، فإن الناشطين والمحامين اعتبروا ذلك أكثر من مجرد نصر رمزي عظيم. إن البلاد لم تحاكم بعد شخصًا واحدًا بسبب التحرش الجنسي بسبب عدم وجود القانون، رغم مرور ما يقرب من عقدين منذ أن هزت القضايا الأولى الرأي العام، حسبما قالت جو جيانمي، محامية حقوق المرأة، الحائزة على الجوائز، وأغلق مركزها للمساعدة القانونية من قبل السلطات الصينية. فتعرقل السلطات الصينية الملاحقات القضائية المتعلقة بالاغتصاب أو الاعتداء الجنسي، حيث تتطلب أدلة مادية وتطلب "ضحية نموذجية" في نظام يلوم مُحرك الإدعاء في كثير من الأحيان. من جانبها، تقود مكتب بكين شيان شيان للمحاماة، حيث تمثل قانونيًا النساء والأطفال ضحايا الإساءة الجنسية.

رجحت هي ألا ينبع التغيير الحقيقي من داخل المؤسسة التشريعية، حتى لو انتهى الأمر بتبني الصين لقانون مكافحة التحرش الجنسي. تُصاغ القوانين الصينية بشكل غامض يصعب معه تنفيذها، لأن الحكومة تعطي الأولوية للاستقرار والنمو الاقتصادي على الحقوق المدنية.

كما بدت تدابير عملية أخرى قصيرة اليد في أرض الواقع، فلم يحدث شيء البتة في أعقاب تعهدات وزارة التعليم الصينية باتخاذ إجراءات صارمة في يناير 2018. أما الجامعات التي وعدت بإنشاء آليات مناهضة التحرش الجنسي، فإذا بـ"خلايا الحزب الشيوعي" بالمدارس تضطلع بدورها، وفقًا لمصادرنا. بدورهما رفضت جامعات بكين وتسينجهوا وبيهانج طلباتنا لإجراء مقابلات صحفية معهم لهذه القصة.

الحكومة لا تتعاطف

ومع هذا فإن هونج فينشر، مؤلفة كتاب "خيانة الأخ الأكبر: الصحوة النسوية في الصين" ترى أن ردود فعل الحكومة الصينية من وقت لآخر على مطالب النسويات مثيرة للإعجاب، قائلة إن الحكومة لا تتعاطف مع القضية، لكنها تستجيب للرأي العام.

يعد نجاح الحركة، رغم محدوديتها، أمرًا لافتًا للغاية، نظرًا إلى حالة الإحباط التي سيطرت على المجتمع المدني في الصين في عهد الرئيس شي جين بينج. إغلاق المنظمات غير الحكومية، وعمليات الاعتقال الجماعي للطلاب النشطاء، ومحامي حقوق الإنسان، وكبح جماح حرية التعبير على شبكة الإنترنت، ثم إرسال مليون أو أكثر من الأقليات العرقية إلى معسكرات الاعتقال.

إلى الحد الذي تبدو معه بعض الأنشطة الاحتجاجية في السنوات السابقة أمر يصعب تصور حدوثه الآن، وهي الأنشطة التي قامت بها نسويات مثل شياو ميلي، مثل الاحتجاج في ميدان تيانانمن في بكين أو المشي من بكين إلى جوانزو لرفع الوعي بالعنف الجنسي.

ومن هنا، فإن النسويات الصينيات قد تجنبن المواجهة المباشرة مع الدولة، عوضًا عن تنظيم احتجاجات عامة، على سبيل المثال، واصلوا محادثات مباشرة مع ممثلي الجامعات ومسؤولين آخرين. إنهم يساعدون في نشر القصص المتعاطفة مع الناجيات من التحرش الجنسي في وسائل الإعلام، فهي من ناحية تشجع الحركة النسوية ومن ناحية أخرى تشجع الأخريات على الإفصاح عما حدث لهن.

في بعض الأحيان تحشد الناشطات الجماهير على الإنترنت، لكنهن يقمن بذلك بحذر، ودائمًا بنبرة بناءة؛ يطلبن مثلا آليات مكافحة التحرش الجنسي بدلًا من استقالة القادة. كما يتجنبن ربط عملهن بالسياسة. هذا يعني بطبيعة الحال بعض التنازلات، فمن المستحيل مثلًا التحدث عن ثقافة الاعتداء الجنسي في أكثر المؤسسات نفوذًا في الصين. لكن ذلك يسمح للحركة بالبقاء على قيد الحياة في وقت تم فيه القضاء على الآخرين.

قالت هونج فينشر "بالنسبة للأشخاص الذين لا يفهمون طبيعة الصين ، يصبح من الصعب استيعاب كم هو استثنائي نجاح حركة MeToo في الانتشار في عموم البلاد". "وهذا دليل على التزام الشديد وشغف، وتصميم هؤلاء الناشطات النسويات الشابات".

وحتى إن يبدو التغيير القانوني بعيد المنال، فإن الحركة نفسها قد منحت صوتًا لجيل كامل من النساء. إن انتصار لوو شيشي بشكل جزئي على تشين ألهم الآخرين. كما قالت لوو بين، مؤسسة منصة الأصوات النسوية المحظورة، والتي تعيش الآن في الولايات المتحدة، إن الشابات الصينيات الآن أكثر عرضة من ذي قبل لرؤية الحركة النسائية كإطار عام لفهم مشكلاتهن في المجتمع.

في تلك الأثناء، أخذت شبكة ناشئة في طور التطور رويدًا وريدًا في الأشهر الأخيرة، في محاولة ربط ضحايا الاعتداءات والمضايقات الجنسية بالنشطاء والمحامين واﻹخصائيين النفسيين.

ومع هذا فإنه حتى مع اتباع استراتيجيات المراوغة فإن يصعب كبح جماح السلطات، كما تثبت حالة ناشطة شابة. انضمت يوي شين، طالبة في جامعة بكين المرموقة إلى حركة MeToo في أبريل 2018، عندما طالبت مدرَستها بالكشف عن تفاصيل تحقيق عمره 20 عامًا في قضية سوء سلوك جنسي، والذي تورط فيها أستاذ جامعي، وأدى في النهاية إلى انتحار طالبة. في يوليو الماضي، أعادت تركيز جهودها على الاحتجاجات العمالية في جنوب الصين، وانضمت إليها مجموعة من الماركسيين الشباب، فاعتقلتهم الشرطة في أغسطس، وبينما تم إطلاق سراح معظم الناشطين، لا تزال يوي مفقودة.

في ديسمبر/ كانون اﻷول الماضي، أعلنت منظمة الناشطة وي، المتخصصة في الجندر والتربية الجنسية في جوانزو، إغلاقها تحت ضغط السلطات الصينية. مع الوقت، فإن الناشطات الصينيات اعتدن على لحظات الصعود والهبوط لحركتهن النسوية. ومع هذا لاتزال فرص اتخاذ السلطات اتخاذ إجراءات قانونية جادة تبدو ضئيلة للغاية.


اقرأ أيضًا: كيف ولماذا يعيش مليون مسلم من الأويجور في معسكرات الاعتقال؟

يصدق شياو تشيوان، من مكتب بكين تشيان تشيان للمحاماة، على آراء آخرين عندما يقول إن الاستراتيجية الصحيحة في الوقت الحالي هي الضغط على مؤسسات الدولة، التي تواجه بعض الضغط من الرأي العام، وإن كان محدودًا، لتبني آليات الوقاية من التحرش الجنسي. يمكن للشركات والجامعات أن تحذو حذو المنظمات غير الحكومية، لكن هذا سيتطلب مساحة كافية للناجيات ليتمكّن من الإفصاح عن قصصهن وتلقي الدعم المطلوب.

في تلك الأثناء، أخذت شبكة ناشئة في طور التطور رويدًا وريدًا في الأشهر الأخيرة، في محاولة ربط ضحايا الاعتداءات والمضايقات الجنسية بالنشطاء والمحامين واﻹخصائيين النفسيين. تقوم تلك الشبكة على أكتاف مئات المتطوعين، كثير منهم يقيمون في الخارج.

يأمل الناشطون أن تكون هذه هي المرحلة التالية، لكنهم أيضًا يتكتمون التفاصيل عن عمد. "لقد زرعنا بذرة،" قالت لوو "لكن لا يوجد شيء اسمه مستقبل واعد."

تنوية: ساهمت وو شياو شي في جمع معلومات لهذه القصة الصحفية