تصميم: يوسف أيمن- المنصة

رمال مدينتنا ذهب لمدينته: عن الأسوار التي تفصلنا عن جنة طلعت مصطفى

كل صباح يبدأ يومك الاعتيادي، كمواطن مصري يعيش معنا حول الشريط الممتد على نهر النيل لا يملك رفاهية الاستجابة لحملة نجوم الجونة "خليك في البيت"، بمحاولات الوصول إلى العمل. ربما لن تتمكن من تطبيق تعليمات الحكومة فيما يخص التباعد الاجتماعي عندما تتكدس مع أقرانك الآخرين في مترو الأنفاق، وستقضي نهارك تتعارك مع عوادم السيارات وإشارات المرور، حتى تعود لبيتك وتجلس وسط أولادك إلى أن يصدح ميكروفون المسجد المجاور بصوت أذان المغرب، لتفطر في سعادة.

الآن عيناك معلقتان على التلفاز تنتظر ضحية جديدة لبرنامج يحاكي التعذيب الذي تمارسه أجهزة الأمن في دول العالم الثالث، وبينما تنتظر، تخرج عليك باقة من ألمع سكان مدينتي والرحاب، ولسان حالهم يتساءل "إنت مش ساكن معانا ليه يا فقير؟". خلال دقائق الإعلان التلفزيوني القصير، سيستعرضون لك مزايا الحياة في مجتمعهم الراقي، ويحمدون الله على تلك الفرصة الجميلة التي جعلتهم في المكان المناسب.


بيحول الرمل لدهب: رحبوا معنا بساحر القاهرة الجديدة

بابتسامة جميلة، تكشف لنا إحدى نجوم الإعلان معلومة غائبة عنا؛ "بيفكر ازاي يحول الرمل لدهب". للوهلة الاولى ستلاحظ أن الفكرة دائما ما طرحت، ربما في أحد أفلام عادل أمام، أو قصص الطفولة القديمة، لكن الحقيقة أن رجل الأعمال استطاع تحقيق المعجزة، على أرض "مدينته" الساحرة.

ففي عام 2006، اشترى أكثر من 33 مليون متر مربع، على طريق القاهرة - السويس بأسعار زهيدة للمتر. قال الكثيرون إن سعر الأرض حينذاك كان 50 قرشا للمتر الواحد، بينما وصلت بعض التقديرات لعشرات الجنيهات مقابل للمتر، وهي جميعها أرقام بعيدة كل البعد عن الأسعار الطبيعية للأرض في هذه المنطقة، وفقًا للبرلماني السابق طلعت السادات "أرض مدينتي لم يدفع هشام فيها جنيها واحد. هذا العقد باطل لأن العقد الذي لا يذكر فيه الثمن يعتبر باطلا. لو حسبنا سعر الأرض ألف جنيه للمتر، سيصبح ثمن الأرض 34 مليار جنيه، يمكن أن تسدد ديون مصر".

تعد قضية "أرض مدينتي" من أشهر قضايا الفساد في عصر حسني مبارك، حيث حكمت المحكمة ببطلان شراء أرض مدينتي عام 2010، واستردت الدولة تسعة مليارات جنيه. وبناء عليه، فقد حول ساحر القاهرة الجديدة بالفعل رمل "مدينتا" لذهب "مدينته".

سكان مدينة الأحلام: انتظرونا احنا مش جايين

بينما الفريسة تقاوم جلادها في برنامج محاكاة التعذيب، أو هكذا تتظاهر أمام الكاميرا لنتظاهر نحن بالمفاجأة بالمخالفة لقانون التظاهر المصري، تسرح بخيالك في إعلان مدينتي، وتفكر ما الذي يمنعك أن تجاور هذه الباقة اللامعة من سكان الرحاب ومدينتي، فكما قال مدحت شلبي "من جاور السعيد يسعد". تخيلات سريعًا ما أن تنتهي عندما تتذكر أن معدل الفقر، في مصر يصل إلى 32.5% حسب تقرير الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء لعام 2018، في حين بلغ معدل خط الفقر للفرد 491 جنيها شهريا.

ستزول التخيلات أيضًا عندما تعرف أن البنك الدولي سبق وأشار إلى أن 60% من المصريين إما فقراء أو عرضة للفقر، لذلك فأغلب المصريون يبحثون فقط عن قوت يومهم بشتى الطرق المتاحة؛ "بنشتغل من الفجر في تقشير الجمبري، عشان ناخد القشر الفراخ تاكله. بنتفرج على الجمبري في أدينا منقدرش ناكله، بتاخده المطاعم اللي بيدخل فيه اللي زيك يا أستاذ محمود"، أم أحمد تحكي للإعلامي محمود سعد في إحدى حلقات برنامجه باب الخلق، عن مصر التي ليست في إعلان مدينتي، حيث تعمل سيدات مصريات لساعات متواصلة من أجل عدة جنيهات.


يجسد إعلان مدينتي من أوله إلى آخره، حجم الخلل الطبقي الواضح في مصر. فبينما يبحث معظم الشباب عن شقة متواضعة إيجار جديد في أحد أحياء القاهرة القديمة، ينقل لك سكان مدينتي جانبا أخرا من حياة تتتظرك في الجنة بعد عمر طويل. كل ما تحتاجه متوفر في أرض الاحلام، ولا تقلق فالأسعار في مستوى المواطن الأحمد أبو هشيمة.

وعلى ذكر الأعمال ورجالها، تذكر أن مصر تعاني من أزمة بطالة، حيث أعلن جهاز التعبئة والإحصاء أن 86.9% من العاطلين عن العمل هم من حملة المؤهلات العليا، فالشباب المصري قبل أن يبحث عن وحدة سكنية، يبحث بداية على وظيفة، وحين يفكر في البحث عن وحدة سكنية، بالتأكيد لن يتجه للرحاب ومدينتي، ليس لعدم قدرته المادية، ولكن للحفاظ على الصورة الجميلة المتكاملة، وحتى لا يفسد إعلان "مدينتهم" الزاهرة.

المستقبل هنا: عن من يبحث سكان مدينتي؟

إذا تضايقت من الإعلان، أو انتابتك حالة من الذهول بسبب الحياة في جنة هشام طلعت مصطفى، من الكثافة السكانية والبنية التحيتة المتهالكة والزحام والمشاكل اليومية التي تعانيها منذ الصغر، فتاكد أنك لست مستهدفًا من الأساس من قبل صناع الإعلان، فهؤلاء يبحثون بعناية شديدة عن عملائهم المحتملين، ممن يتمنون العيش وسط مجتمع مصر التي في الإعلان، وليست مصر التي في شارع فيصل.

يوضح روبرت هيث بعدًا آخر في كتابه إغواء العقل الباطن "الإعلان يتمحور حول توصيل رسائل بسيطة ومقنعة ومنطقية قد تؤدي بدورها إلى تغيير مفاهيمنا وتدفعنا إلى شراء المنتج. يكمن الإبداع في دفعنا إلى الانتباه إلى تلك الرسائل، حيث يؤدي رفع درجة الانتباه إلى نسبة تذكُّر أكبر. يرتبط الإبداع أيضًا بوضع شيء بارعٍ أو استثنائي في الإعلان؛ لأن هذا الأمر سيؤدي إلى زيادة فُرَص تذكُّر ولو جزءًا واحدًا من الإعلان".

أكبر مكتبة في مصر: القراءة ليست للجميع

يركز الإعلان على وجود مكتبة عملاقة على أرض مدينة الأحلام المصرية، ربما تضم كتبًا تتحدث عن الفقراء والفقر في مصر، ميزة إضافية يقدمها سكان مدينتي والرحاب للموعودين بجوارهم السعيد مستقبلا، لكن في مصر يفكر الناس في أشياء كثيرة قبل القراءة، يفكرون في الحاجات الأساسية للإنسان، ولم يصل إليهم شعار القراءة للجميع، فقط سمعوا عنه، ربما ليس من مصلحة أحد أن يقرأوا.

"إغلاق مكتبات الكرامة إجراء قانوني"، هكذا أجاب رأس النظام المصري عبدالفتاح السيسي، عن سؤال وجه له عن إغلاق ست مكتبات بالمعادي ودار السلام وطرة عام 2016، حيث قامت محافظة القاهرة بإغلاق وتشميع مكتبات الكرامة، التي تعد إحدى مبادرات الشبكة العربية لحقوق الانسان، وتستهدف إنشاء مكتبات عامة في الأحياء الشعبية بالقاهرة والأقاليم، ولكنها أخفقت فيما يبدو، لأنها شيّدت خارج أسوار جنة طلعت مصطفى.