تصميم: يوسف أيمن - المنصة

بعد أن أغلق الوباء المقاهي: أين ذهبت كتيبة "دعني وشأني"؟

في حوالي الساعة الواحدة ظهرًا من كل يوم، يزدحم مقهى كوستا في شارع شريف بوسط القاهرة، بكل من لديه لقاءات عمل أو مواعيد مع أصدقائه.

في المنتصف ثلاث طاولات ضُمّ بعضها إلى بعض يجلس حولها ستة أشخاص يرتدون بدلات رسمية ويناقشون أمرًا ما، وممثل مصري يبلغ من العمر الستين تقريبًا؛ يدخل فجأة في ذورة ازدحام المقهى، متأبطًا ثلاث صحف مصرية الأهرام والمصري اليوم والشروق وحقيبة صغيرة. حالما يجلس؛ يتصفح ما بيده على عجل، ثم يخرج من حقيبته بضعة أوراق ويضعها على طاولته، يبدأ في القراءة بصوت أقرب للهمهمة محركًا كِلتها يديه؛ لتبدأ ملامح وجهه في التبدل بين لحظة وأخرى. لن نجد صعوبة في استنتاج أنه يتدرب لحفظ مشاهد سيؤديها في مسلسل ما أو فيلم جديد.

على طاولة أخرى هناك كاتب روائي شاب غير معروف -لكن أنا أعرفه- لا يجلس على المقهى للكتابة بل للقاء أصدقائه من مصورين وفنانين سيحرقون خلال دقائق من جلوسهم ونقاشاتهم الساخنة أكبر كمية من السجائر في المقهى، الذي تستحوذ فتاة سمراء على اثنتين من طاولاته، تفرش عليهما أوراقًا كثيرةً مع لابتوب، وتفصلها سماعات الأذن عما يحيط بها.

راودني هذا المشهد مرة أو مرتين بعد مرور عشرين يومًا على إغلاق المقاهي والمطاعم في القاهرة في محاولة الحدّ من انتشار فيروس كورونا. لكن بعد مضي ثلاثين يومًا من الالتزام في الحجر المنزلي، بدأ هذا النوع من العزلة الاجتماعية يخنق المرء، لأنه ببساطة يجبره على مواجهة ما بداخله طوال الوقت، يحرمه فرصة أن يستريح قليلاً من بعض الأحداث اليومية الشخصية، التي قد تؤثر على حالته النفسية، وبسببها يفقد الشعور بمرور الزمن. هكذا قد يمضي أسبوع كامل لأفاجأ أن اليوم هو يوم الخميس مثلًا، وأنه قد مرَّ على حالة نفسية ما خمسة أيام.

لو كُنت قادرًا على الذهاب إلى المقهى والجلوس فيه وحيدًا لخمس ساعات، لأصبحت بحال أفضل إلى حد ما. كيف كان المقهى يهوّن على المرء همومه اليومية؟

في أحد أيام يناير/ كانون الثاني من هذا العام، أي قبل أن يؤخذ تفشي فيروس كورونا على محمل الجد في العالم أجمع، كنت أجلس في فترة ما بعد الظهيرة على إحدى طاولات كوستا ولكن فرع شارع مصدق بالدقي هذه المرة. على الطاولة المقابلة تجلس سيدة في الستين من عمرها، لا تزيح نظرها عني.

تجرأت قليلًا وواجهت نظراتها. للحظات شعرت وكأني طفلها. تأملت ملامح وجهها، كانت تقاوم ابتسامة ربما تفلت رغمًا عنها. تجاهلتني قليلًا، وحركت وجهها مرة لجهة اليمين ومرة لجهة اليسار، وبعد ذلك واجهتني بعينين لامعتين، هذه المرة ربما كانت تقاوم أن تفلت دمعة رغمًا عنها أيضًا. هل هو شعور ما بالفقد؟ هذا ما شعرت به نحوها في ذلك اليوم. هذه السيدة الستينية واحدة من هؤلاء الناس الذين يرتادون المقهى بانتظام، لا للقاء الأصدقاء أو لإنجاز عمل ما، بل هي الحاجة لهذا المساحة النفسية، التي لم أعِ أهميتها ولم تثر انتباهي بهذا الشكل الواضح قبل العزلة الاجتماعية المفروضة علينا منذ انتشار الجائحة.

ما معنى الجلوس في المقهى وحيدًا؟ ما الفرق بين العزلة الاجتماعية داخل أربعة جدران والعزلة الاجتماعية في قلب مقهىً مزدحم؟ ملاحظة الأشخاص الوحيدين في المقهى أخذ وقتًا طويلًا بعد عملية غربلة للمقاهي والكافيهات، فهناك كافيهات لا تناسب هؤلاء الأشخاص، كتلك التي تزدحم بالمراهقين والعشاق وأصحاب الضحكات العالية الصاخبة.

كما أن للوحيدين الذين يؤنسهم الانعزال في مقهى مزدحم لغة جسد ونظرات تميزهم، لا يمكن الانتباه لها من أول لقاء، يحتاج الأمر إلى تكرار مصادفة الالتقاء بهم في الأوقات التي يتواجدون فيها بشكل شبه يومي في هذا المقهى أو ذاك. يدخلون المقهى ويجلسون لساعات طويلة، يتأملون من حولهم، نظراتهم غير ثابتة، تارة تشعر أنها موجهة إلى أعماقهم رغم أنهم يتابعون بنظراتهم حركة الشارع من خلف الواجهة الزجاجية للمقهى، وتارة أخرى توحي بتوتر حاد، تقول لمن حولها "دعني وشأني"، لكنها وبرغم تصدير "دعني وشأني" هذه، إلا أنهم ما زالوا بحاجة إلى حالة الألفة التي يخلقها جلوسهم في مقهىً يرتاده ناس من الطبقة الوسطى، مثل كوستا أو سينلاترو أو بينوس أو غيرهم.

هناك اعتقاد لدى بعض الأصدقاء من كتّاب وصحفيين ومثقفين بأن ارتياد هذه المقاهي هو سلوك برجوازي لا يستطيع المواظبة عليه إلا ميسوري الحال، وهذا ليس صحيحًا. أعلم هذا على الأقل من أشخاص كثيرين أصدقاء ومعارف شبه عاطلين عن العمل، وصحفيين يعملون بالقطعة، يرتادون هذه الكافيهات بهدف الانضمام لكتيبة "دعني وشأني". كما أن الأمر ليس مرتبطًا بوهم "اللايف ستايل"، لأنه، وببساطة، وفي مدينة مثل القاهرة، الصراع الطبقي المضمر، دائمًا يتدخل بأكثر من أداء، ليوقف أي تكريس لأي "لايف ستايل" في المدينة، كالمرأة المجنونة، التي تقف كل فترة على رصيف مقهى كوستا في شارع شريف، وتخلع سروالها، وتتبول أمام أنظار من يجلسون داخل المقهى، ويحتسون الإسبريسو والكابتشينو، ويراقبونها مذهولين من خلف الزجاج.

ارتياد المقهى بشكل شبه يومي، هو نوع من أنواع مقاومة الوحدة رغم الشعور الداخلي بالعزلة الاجتماعية. أنا أجلس في المقهى إذًا أنا موجود. تقول أوليفيا لاينج في كتابها المدينة الوحيدة .. مغامرات في فن البقاء وحيدًا إنه "بإمكانك أن تكون وحيدًا في أي مكان، ولكن هنالك نكهة خاصة للوحدة التي تعيشها في مدينة، وأنت محاط بالملايين من البشر. قد يعتقد البعض أن هذه الحالة مناقضة لأسلوب الحياة في المدينة، لحضور البشر الهائل من حولك، ولكن القرب المادي وحده لا يكفي لتبديد الشعور الداخلي بالعزلة. إنه من الممكن- والسهل حتى- أن تشعر بأنك بائس ومهجور وأنت محاط بالآخرين".

يجذب مقهى كوستا الوحيدين ومحدودي الدخل أكثر من غيره من باقي المقاهي التي تشبهه كمقهى سينلاترو أو بينوس. ويعود ذلك إلى أنه بإمكان أي شخص الجلوس فيه، وطلب فنجان قهوة إسبريسو ثمنه 20 جنيهًا، وقضاء ساعات طويلة من دون أن يضايقه النادل بالسؤال المتكرر "محتاج حاجة تاني؟"، وبإمكانه أيضًا أن يشتري زجاجة مياه معدنية من خارج المقهى بثلاثة جنيهات بدلًا من شرائها من داخل المقهى بعشرة جنيهات. على عكس سينلاترو مثلًا، الذي ستحاصرك فيه عيون النُدَّل طوال فترة جلوسك، وإذا أخرجت زجاجة مياه من حقيبتك، سيأتي أحدهم ليخبرك أن ذلك ممنوع.

في إحدى المرات انقطعت عن ارتياد كوستا في شارع شريف لثلاثة أشهر تقريبًا، وعندما عدت إليه مجددًا، صادفت أحد أصدقائي الكادحين هناك، فسألني لماذا هذا الاختفاء؟ فقلت له وأنا أضحك أن الأمر يعود إلى تأخر المستحقات المالية. وبعد أن شاركني الضحكات واللعنات، قال لي "على فكرة وقت يكون مش معاك فلوس تعال على كوستا وأطلب اللي انتا عايزه وأمشي.. ولو حد سألك على الحساب قلهم مش معايا فلوس ومحدش هيكلمك، هنا الشباب غلابة وشبهنا على فكرة.. وبيقبضو ملاليم". سألته وأنا مندهش "وأنتا بتعمل كده؟!" ليجيب "أيوة يا ابني.. هنا الشباب كلهم صحابي، وأنا وقت ما أكون مفلس وده بيكون أغلب أوقاتي زي ما إنت عارف، بقلهم مش هدفع حاجة، فهما مش بينزلوا الطلب على الكومبيوتر وخلاص". بالطبع لم أجرؤ على فعل ما فعله صديقي، لكني كنت سعيدًا بهذا التضامن البروليتاري.

خلال عام ونصف تقريبًا، ظللت أراقب سيدة شابة ترداد كوستا يوميًا من دون انقطاع، لم أتأكد من عمرها، لكن بإمكاننا القول إنها في نهاية الثلاثينات. شاءت الصدف في إحدى المرات أن تجلس على طاولة قريبة من طاولتي. بعد قليل؛ دخل رجل ببدلة رسمية يحمل حقيبة جلدية سوداء. علمت بعد النقاش الذي دار بينهما، أنه المحامي الذي يتابع معها قضية طلاقها من زوجها. تلى هذا اللقاء لقاءات أخرى متقطعة مع المحامي، دامت شهرين تقريبًا، بعد ذلك، باتت تأتي إلى المقهى وتجلس ساعات طويلة صامتة، لا تلتقي ولا تتحدث مع أحد.

أحيانًا كثيرة لا يمكن التنبؤ بما يريده الشخص الذي يشعر بعزلة اجتماعية، أو خرج من دائرة اجتماعية معينة، كمن خرج من مدينة شديدة الازدحام ليجد نفسه في صحراء قاحلة. أما الآخرون الذي يراقبون هذا الشخص الوحيد من بعيد، تنتابهم مشاعر متناقضة اتجاهه، فهم يراقبون شخص يجلس وحيدًا بشكل شبه يومي، ذو وجه شاحب وحزين، لا أصدقاء ولا أحبّاء، وهذا يبعث على الفضول قليلاً، لكن من دون أن يمتلكوا الجرأة على الاقتراب منه.

الأشخاص الوحيدون والذين يدخلون بحالة انعزال اجتماعي طويلة، يشعر الآخرون "الطبيعيون" تجاههم بالنفور والقلق، وذبذبات هذا الشعور تصل للشخص الوحيد على الفور.

في زمن الكورونا لا ندري كيف يقضي الوحيدون أوقاتهم، ترى أين ذهبت كتيبة "دعني وشأني"؟!