هدى مزيودات (إلى اليمين) وخولة الكسيكسي، الناشطتان في مجال حقوق السود بتونس

مرأة وسوداء: كيف تعيش تونسيات في قاع الهرم الاجتماعي

ظهرت بتونس إلى العلن حركةٌ تندّد بالتمييز العنصريّ والجنسانيّ ضد النساء السوداوات. وتطالب بمزيدٍ من الحضورٍ العلنيّ في المجال العام وبتفكيك النزعة الاستعماريّة لخطاب الحركة النسويّة التونسيّة.

تم ترجمة هذا التقرير المنشور في مجلة أفريكا ريبورتر الإلكترونيّة السويسريّة، عن اللغة الألمانية، بعد الحصول على موافقة كاتبته سارّة ميرش*.

"حينما أسير في الشارع، أسمع يوميّا تلك العبارة؛ إيجا نصفيّو الدم (أي هيّا بنا نصفّي الدم)." هكذا استهلّت خولة الكسيكسي حديثها. إذ يؤمن قسمٌ من التونسيين أنّ مضاجعة امرأة سوداء تصفّي الدم وتشفي العلل. وهو اعتقادٌ شعبيٌ قديمٌ لا يُعرَف منشؤه، ولكنّه يظلّ يومًا بعد يوم مصدر ازعاجٍ للفتاة البالغة من العمر 28 عامًا.

"إنّ التصوّر القائل بأن النساء السوداوات هدفٌ سهل المنالِ واسعُ الانتشار. فنحن يُنظر إلينا دومًا على أنّنا أناسٌ ذوو نشاطِ جنسيٍّ مفرط. وعلى الرغم من أنّ النسوة من غير السوداوات يشتكين بدورهنّ باستمرارٍ من التحرّش الجنسيّ في الفضاء العام"، تضيف المحامية خولة الكسيسكي قائلةً "ولكن من المرجّح أنّنا نتعرّض نحن للتحرّش بمعدّل ثلاثة أضعاف ما يتعرّضن هنّ له أيضًا".

أسَّست الكسيسكي، والتي تعمل لدى فرع مؤسّسة روزا لوكسبمورج بتونس، حركة "صوت النساء التونسيّات السوداوات" رفقة ست زميلاتٍ في الكفاح. وهي العضوة الوحيدة من بين المؤسِّسات التي ما زالت تقيم بالبلاد التونسيّة. فانتقلت هدى المزيودات في الأثناء للعيش بكندا، وهي تتحدّث عن التمييز الذي تعرّضت له بتونس بسبب لون بشرتها والذي كان في كثيرِ من الأحيان يتضمّن بعدًا جنسيًّا ويحمل نظرة تشييءٍ لشخصها.

سبب مغادرة البلاد

"كان هذا أحد الأسباب التي دفعتني لمغادرة البلاد. فالتمييز يجعل الأغلبيّة البيضاء تحتقر النساء السوداوات وتعتبرهنّ لسن مؤهّلاتٍ لخوض غمار مجالاتٍ ما تكون عادةً حكرًا على ذوي البشرة الفاتحة، مثل الصحافة والسياسة والبحث العلمي".

ويضمّ مجلس نوّاب الشعب التونسي نائبةً وحيدةً من ذوات البشرة السوداء، من بين نوّابه ونائباته البالغ عددهم 217، وهي النائبة جميلة دبّيش الكسيسكي عن حزب حركة النهضة الإسلاميّ المحافظ ووالدة خولة الكسيكسي. وإن كانت الأم وابنتها قليلًا ما تتقاسمان نفسَ الآراء السياسيّة، إلا أنّ الكفاح ضد العنصريّة وحّد صفّيهما. ففي شهر ديسمبر من عام 2019 كانت النائبة ضحيّةً لموجة سبابٍ عنصريٍّ في شبكات التواصل الاجتماعيّ اندلع إثر نقاشٍ ساخنٍ مع سياسيّة من كتلةٍ أخرى، ثم ما لبثت أن طالت تلك الموجة ابنتَها لتكون هي الأخرى هدفًا لتك الحملة.

القليل من التفهّم لدى النسوة الأخريات

وتسبّب نقاشٌ جرى على صفحة مجموعةٍ نسويّةٍ على موقع فيسبوك، وهي مجموعةٌ أُنشِئت تزامنًا مع حركة #أنا_زادة وهي المرادف التونسي لحركة "مي تو" العالميّة الشهيرة، في اندلاع الشرارة الأولى لتأسيس حركة التونسيّات السوداوات.

فكثير من عضوات تلك المجموعة النسويّة كنّ يشكّكن بتعرّض التونسيّات السوداوات لتحرّشٍ من نوعٍ آخر وبوتيرةً أعلى من تلك التي تتعرّض لها التونسيّات ذوات البشرة الفاتحة. وهنا تتذكّر خولة الكسيكسي ما حصل حينها "أوضحتُ بأنّنا نتعرّض نحن السوداوات لنوعٍ مغايرٍ من التحرّش الجنسي. ولكنّنا اُتّهمنا بأنّنا مصاباتٌ بجنون الارتياب والهستيريا وبأننا مجّرد مرضى يرغبن بتأدية دور الضحيّة".

تعود أصول غالبيّة السود بتونس إلى مناطق الجنوب التونسي والذي تعرّض منذ الاستقلال لتهميشٍ ممنهجٍ من سياسات الرئيس بن علي ومن قبله الرئيس بورقيبة.
- الناشطة التونسية خولة الكسيكي

أدركَتْ خولة في تلك اللحظة بأنّهنّ بحاجةٍ لفضاءٍ محميّ يُراعَى فيه التمايز المتعدّد الجوانب، بحيث لا تكون تجارب وأصوات النسوة السوداوات هدفًا للتشكيك المتواتر. وكما تضيف هدى مزيودات "وصلنا لقناعةٍ مفادها أنّ الوقت حان لتكون لنا حركتنا الخاصّة بنا، إذ يكذّب الآخرون تجاربنا الخاصّة بالتحرّش الجنسي".

نقدٌ موجّهٌ للحركة النسويّة العتيقة

وهي لا تتوانى كذلك عن تصويب سهام النقد إلى الحركات النسوية التونسيّة العريقة، والتي بدأت هدى مزيودات مع مرور الوقت، تحسّ باتّساع الهوّة بينها وبين تلك الحركات التي أضحت شيئًا فشيئًا لا تمثّلها، وليس مردّ ذلك لون بشرتها فحسب، بل أيضًا لأنّها ترتدي الحجاب. فكانت المحجّبات قبل الثورة التونسيّة يتعرّضن عمليًّا للإقصاء من قِبل تلك الجمعيّات.

"فشلَتْ تلك الحركات فشلًا ذريعًا في إدماج النساء السوداوات اللاتي لا يتبنَّين نفس الأيديولوجيا الخاصّة بتلك الحركات. إذ تتبنّى الأخيرة رؤيةً قاصرةً للنسويّة التونسيّة والتي هي بدورها شديدة التأثٌر بالفكر النسوي للدولة البورقيبيّة (نسبة للحبيب بورقيبة، أوّل رئيسٍ للبلاد بعد الاستقلال) وكذا بالنسويّة الغربيّة البيضاء، لا سيّما الفرنسيّة منها. فلا ترى هدى مزيودات نفعًا من تلك الصورة الأحاديّة التي تروّج لها الدولة عن النساء التونسيّات القادمات من الطبقة المتوسّطة، ولذا فهي تطالب بنزع الطابع الاستعماري لخطاب الحركة النسويّة التونسيّة وبأخذ عوامل مثل العرق والطبقة الاجتماعيّة في الحسبان لكيلا يستمرّ قمع أصوات التونسيّات السوداوات.

وتتحدّث النسوة في مجموعتهنّ الفيسبوكيّة عن الاعتداءات الجنسيّة، وكذلك عن "الاعتداءات التي تقع على النساء السوداوات اللاتي يعملن كعاملات نظافةٍ أو معيناتٍ منزليّات. فلولا وجود مثل هذه الفضاءات التي نتداول فيها الأخبار، لما كنتُ سمعتُ عن حوادث مشابهة"، مثلما تعقّب الكسيكسي.

إلغاءٌ العبودية لا التمييز

ليس من المعلوم تعداد التونسيّين والتونسيّات من ذوي البشرة السوداء. ولكن تتراوح التقديرات وذلك حسب المنطقة من البلاد بين خمسة بالمئة وبين ثلاثين بالمئة من تعداد السكان. ويعيش الطيف الأكبر منهم جنوبيّ البلاد، وقدِم أسلافهم مهاجرين من بلدان جنوب الصحراء قبل مئات السنين، أو جيء بهم كعبيد مختطفين، بينما يغلب على شماليّ البلاد تونسيّون من أصولٍ عربيّةٍ ومورسكيّة أندلسيّة وتركيّة استقرّوا جنبًا إلى جنبٍ مع البربر.

هذا وأُلغيت العبوديّة بتونس عام 1846، لكن وفي حين أُتيح للعبيد من الأوروبيّين البيض الارتقاء الاجتماعيّ سريعًا في المملكة التونسيّة، بقيَت في المقابل أبواب الارتقاء الاجتماعيّ إلى يومنا هذا موصدةً في وجه غالبيّة التونسيّين السود. ففي تونس اليوم لا أثر للمواطنين من ذوي البشرة السوداء سواءً داخل الوظائف القياديّة أو التلفزة أو في الأوساط السياسيّة، إذ يشتغل جلّهم كعَملةٍ يوميّين أو يزاولون مهنًا منخفضة الدخل.

"تعود أصول غالبيّة السود بتونس إلى مناطق الجنوب التونسي والذي تعرّض منذ الاستقلال لتهميشٍ ممنهجٍ من سياسات الرئيس بن علي ومن قبله الرئيس بورقيبة"، كما تروي لنا خولة الكسيكسي، والتي تضيف قائلةً "وهذا يعني أنّ مجموعةً بشريّةً مهمَّشة تقطن منطقةً جغرافيّةً مهمَّشةً حيث تتعرض فيها هي بدورها للتهميش. فهذا يعني بأنّه وفي إطار ذلك المركّب تقبع النسوة السوداوات اللاتي ندافع عنهنّ فعليًّا أسفلَ قاع الهرم".

لا أموال لرفع قضايا أمام المحاكم

صادق مجلس النوّاب التونسي على قانونٍ لمحاربة التمييز في نوفمبر/ تشرين الثاني عام 2018، وهو القانون الذي رأى النور إثر ضغوطٍ شديدةٍ من قِبَل المجتمع المدنيّ. ولكن، وكما جرت العادة، فإنّ تطبيق ذلك القانون ليس بالأمر اليسير. "أتى هذا القانون بالنفع لمن لديهم القدرة الماليّة لتقديم شكاوىً قانونيّة، وأيضًا لأولئك الذين تهمّهم المبادئ والراغبين بالتعريف بهذه القضيّة". فبعد أن تعرّضت خولة الكسيسكي لحملة سبابٍ عنصريٍّ في الشبكات الاجتماعيّة، بادرت هي بنفسها برفع قضيّةٍ في هذ الشأن.

كلّفها ذلك 200 دينارٍ (أي ما يعادل 60 يورو)، فقط حتّى توثّق تلك الحالة عن طريق عدلٍ منفّذ (كاتب عدل) لكي تعترف المحكمة بالأدلّة المقدّمة من قبلها، وهو مبلغ يعادل نصف الحدّ الأدنى القانونيّ للدخل بتونس. وعلاوةً على ذلك تأتي الأتعاب الماليّة للمحامي، وهي تكاليفٌ ليس باستطاعة 90% من الضحايا توفيرها، مثلما تؤكّد الكسيسكي. ولذا فهنّ في حركة النساء السوداوات يقدّمن كذلك الدعم القانونيّ لضعاف الحال المستحقّين لذلك الدعم.


اقرأ أيضًا: أنا زادة: نساء تونس يكسرن الصمت في مواجهة التمييز والتحرش


ويُضاف إلى ذلك حقيقة أن التمييز العنصريّ أصبح أمرًا اعتياديّا ببعض مناطق الجنوب التونسيّ، حتّى أضحى لا يُنظر إليه باعتباره شكلًا من أشكال العنصريّة. فكما تقول الكسيكسي "يجب علينا إيجاد حلولٍ ذات طابعٍ سلميٍّ، إذ يعيش السود والبيض هنالك جنبًا إلى جنب. رضي الناس بالوضع القائم، وفي كثيرٍ من الأحيان لا يقبل الوسط الذي تعيش فيه الضحيّة أو حتى عائلة الضحيّة نفسها برفع شكوىً قضائيّة ضدّ الجيران".

مطالبات بالمساواة

وختامًا تشتكي الكسيكسي من القضاة الذين لا يفقهون جوهر العنصريّة في معظم الأحيان. ففي تونس عادةً ما يٌنعت الشخص الأسود في اللهجة الدارجة التونسيّة بتسمية "وْصِيف"، وهو مسمًّى عربيٌّ قديمٌ كان يُطلق على الخَدَم، ثمّ ومع مرور الزمن حلّ محلَّ كلمة "عبد". ولكن يرفض طيفٌ من التونسيّين من غير السود الإقرار بالطابع العنصريّ لذلكم المسمّى. فمثلما تروي الكسيسكي، قام أحد التونسيّين السود بتقديم شكايةٍ قانونيّةٍ بشخصٍ آخر، لأنّ هذا الأخير نعته "بالوصيف"، فكان الردّ "وما الخطب في ذلك؟ أتنكر كونك وصيفًا؟"

وبالمقابل ترى هدى مزيودات بأنّ مطالبهنّ غايةٌ في البساطة؛ المساواة وفتح الطريق أمام التونسيّين والتونسيّات السود للولوج إلى المناصب الاقتصاديّة والسياسيّة والاجتماعيّة. ولكنّها تردف قائلةً "ولكنّنا بحاجةٍ لتغييرٍ عميقٍ في العقليّة التونسيّة ولإرادةٍ سياسيّةٍ صلبة"


* سارّة ميرش صحفيّةٌ تعمل مراسلةٍ حرّة بتونس