تصميم: يوسف أيمن- المنصة

يومياتي مع كورونا| كيف ساعدني الطبخ في التركيز على الحياة بدلا من التفكير في الموت؟

الاسم: بسمة مصطفى*.
المهنة: صحفية، وصاحبة مبادرة "وجبات صحية لمصابي كورونا المعزولين في المنزل".
السن: 30 سنة.


"الطبخ فعل مقاومة" دي قناعتي الشخصية، أنا لما بأقف في المطبخ بأحس بطاقة إجابية، بأقاوم به المزاج السيئ والاكتئاب. من بداية الحظر وانتشار الأخبار المرعبة عن فيروس كورونا، كنت بأهرب بالطبخ، وإني أعمل أكلات مختلفة وأصورها وأشاركها مع أصحابي. مع الوقت وزيادة الإصابات والوفيات كل ده أثّر نفسيًا عليّ، اللي سيطر على عقلي وقتها إن كلنا هانموت. بعد كام يوم، كام أسبوع كمان، بس مفيش مفر من الموت، فليه نحاول نعمل حاجة، لما هو مجرد وقت وبينتهي.

في مرة كنت بأتابع الأخبار أونلاين قريت عن رفض المطاعم توصيل الأكل لأكتر من حالة مصابة معزولة في البيت. تأثرت جدًا، فكرت أعمل قصة عن الموضوع، بس كانت تقيلة نفسيًا جدًا عليّ، ماكنتش قادرة أستوعب إن حد ممكن يمنع الأكل عن ناس بين الحياة والموت، وفضلت أسأل نفسي طيب المرضى دول مين بيقعد بيهم، إذا كان نص العلاج هو التغذية السليمة والراحة التامة، مين بيساعدهم؟ وبحكم شغلي في الصحافة، كان عندي شوية معلومات عن المصابين ومعاناتهم، فمن حبي للطبخ قررت إني أساعد بجزء من وقتي في تغذية المعزولين في البيت.

في الأول؛ قلت هابدأ لوحدي، أخصص جزء من وقتي، أشوف حالات مصابة، وأعملهم وجبات تكفيهم مدة العزل، بما إني بحب الطبخ، وبيحسن حالتي النفسية، ماكانش في بالي تكون مبادرة ولا أي حاجة، أنا قولت هكتب بوست على الأكونت الشخصي، وعارفة إن اللي هيتحمس كام واحد من صحابي القريبين وخلاص من غير أي ترتيب لمبادرة ولا متطوعين.

كتبت البوست، وجه عليه تفاعل كتير جدًا، بعده بساعتين استقبلت أول حالة وبعدها جالي متطوعين ومتبرعين كتير، وبعدين اقترحوا علي نعمل جروب عشان نتشارك أفكارنا، فعلًا عملت جروب وتخيلت الموضوع هايمشي بالهداوة.

في أول 24 ساعة استقبلنا 11 حالة، يا إما ناس قاعدة لوحدها، يا أما عائلة كاملة مصابة، ماكنتش متخيلة سرعة الأحداث والكلام الحلو اللي وصلني، وده زقني أعمل حاجة.

أول حالتين استقبلتهم، كانوا الفجر؛ واحدة بتبلغ عن جارتها، وعاوزة حد يطبخ لها، بس هي هتتكفل بفلوس الوجبات، والتانية بتبلغ عن دكتورها في الجامعة وبردوا هي تكفلت بالتكلفة. حسيت إن لسه في أمل وخير وده شجعني طبعًا، وبعدها حد تكفل بوجبات زيادة، وحالات في أكتوبر، ومتطوعين للطبخ، بس محبوش يتذكر اسمهم.

كل ده حوّل تفكيري تمامًا من التفكير في الموت للتركيز على الحياة، وأن الناس تعيش، وتكمل، وبالرغم أنه حطني تحت ضغط نفسي زيادة بجانب شغلي وبيتي وبناتي، بس هو نفسيًا فرق معايا جدًا.

الوجبات اللي بنقدمها معمولة بناءً على إرشادات دكتور تغذية تواصلت معاه قبل ما نبدأ علشان نعرف إيه الأكل المفيد وبيقوي المناعة ويحسن حالة المصابين، وبناء عليه بنطبخه. قبل ما نجهّز الوجبات، بنسأل الحالة لو عندها حساسية من أكل معين، أو لو في أكل مش بيحبوه. بنقدم وجبات مطبوخة وجاهزة تكفي أسبوع بتكون فيها بروتين لحوم أو فراخ أو كبدة ومعاهم نشويات وخضار وفواكه وعصاير وأعشاب. وجبات متكاملة يعني.

إحنا كمان ملتزمين جدًا كمان بالإجراءات الوقائية، متطوعين التوصيل بياخدوا كل احتياطتهم، بيلبسوا كمامة وقفازات، وبيستخدموا كحول باستمرار، وبيروحوا للحالة، يحطوا الشنط ع الباب، ويتصلوا بهم يخرجوا ياخدوها، لكن ماحدش بيختلط مباشرًة بالحالات، كمان في ناس اقترحت تتبرع بأماكن للطبخ، بس عشان نقلل الخطر على نفسنا أجلنا الخطوة شوية، عشان ما يحصلش اختلاط بين عدد كبير مننا.

هدفي أن كل الناس تعرف أن المرة دي مش زي كل محنة بتعدي علينا، المرة دي النجاة جماعية، مفيش نجاة فردية لحد مننا إلا لو كلنا كنا كويسين وقدرنا نساعد بعض على التعافي، كلنا نقف مع بعض، عشان نقدر نتجاوز ونفهم أن مفيش حد هاينجو لوحده. بالرغم من كل الضغوط اللي علي، وأن تليفوني مبقاش يبطل رن، بس أنا مبسوطة أني قدر أنفذ حاجة تساعد في الظروف دي، ولقيت استجابة واسعة من الناس.


* هذه شهادة لصحفيّة وصاحبة مبادرة طبخ وتوصيل وجبات صحية للمصابين في العزل المنزلي، وتنشرها المنصة بعد التأكد من هوية الكاتبة والتحقق من شهادتها عبر اتباع الطرق المهنية والقانونية الملائمة، والحفاظ على خصوصية المرضى إن أتى ذكرهم، مع عدم التدخل في صياغة الشهادة من جانبنا إلا لضبط اللغة إن كانت بالفصحى.