تصميم: يوسف أيمن - المنصة

يومياتي مع كورونا| رحلتي من طبيب إلى مصاب وبالعكس

الاسم: كمال قهري
المهنة: طبيب أخصائي حميات
مكان العمل: مستشفى نقادة المركزي محافظة قنا
السن: 43 سنة


كوني طبيب حميات في مستشفى مركزي بخالط عدد كبير من المرضى، أغلبهم مشتبه بإصابتهم، فكنت متوقع نقل العدوى ليا في أي وقت. طبيعي آخدها من البيئة المحيطة، حتى وأنا عامل كل احتياطاتي، لكن الموضوع عامل زي عسكري واقف في حرب، آه لابس الخوذة ومعاه سلاحه، لكنه وسط المعركة، فلازم هيتصاب.

أنا أخصائي حميات في مستشفى نقادة المركزي، بمحافظة قنا، وكان عندي عيادة خاصة برة. بس مع بداية انتشار كورونا، من تلات شهور، قفلت عيادتي واتفرغت بس لشغل المستشفى، لأننا في وقت صعب يعني ناس كتير بتتعب ومش كل الناس هتقدر تيجي عيادة خاصة وتقطع كشف، فمكاني في المستشفى أهم دلوقتي.

في مستشفى نقادة بنستقبل الحالات، وبنشوف مين اللي مشتبه في إصابته وبنعمل مسحات، ولو حد نتيجته طلعت إيجابية بنبعت للمديرية وهم بينسقوا معاه ويحولوه للعزل، وهكذا.

فجر يوم 10 مايو سخنت شوية، فكلمت واحد من الممرضين و طلبت منه شوية أدوية ومحاليل يجبهالي على البيت، والحمد لله نص ساعة كانت الحرارة نزلت، الصبح على طول روحت عملت أشعة مقطعية على الصدر في المستشفى، ولما النتيجة طلعت عرفت أني مصاب، أنا دكتور و فاهم، طلعت على حميات قنا، وعملولي مسحة، طلعت إيجابي، وحولوني من هناك على مستشفى عزل أبو تيج في أسيوط.

أول حاجة جت في بالي لما اتأكدت من أصابتي هم بناتي وابني، ممكن ماشوفهمش تاني، كنت خايف لأن حتى لو مافيش أعراض قوية الحالة ممكن تتدهور في أي لحظة، عندي تلات بنات وولد أكبرهم 10 سنين، مش متعودين حتى أغيب عنهم يوم مش أسبوعين كاملين، والبنات حبايب أبوهم، بناتي بيناموا في حضني، كنت خايف يكونوا اتعدوا، وخايف أبعد عنهم، هسيبهم لمين؟ ومش عارف هأقعد مدة طويلة بعيد عنهم إزاي؟

قعدت أبكي الليل كله، خايف على بناتي صغيرين ومين هيرعاهم من بعدي، زوجتي عرفت طبعًا وانهارت ومقدرتش تتماسك من خوفها وقلقها، كلمت صحابي وزمايلي المقربين، قولتلهم إني الحمد لله أُصبت وهاطلع على الحميات أتعزل، بس بوصيكم على بناتي، كلهم انهاروا طبعًا، حاولوا يتماسكوا ويسندوني نفسيًا عشان أقاوم، وبصراحة وجود صحابي كان فارق معايا قوي، برة العزل أو جوة.

يوم 11 مايو دخلت أنا العزل، وطلعت زيارة من الإدارة الصحية لبيتي، كشفوا على المدام و البنات، ماكانش في أعراض الحمد لله، ولكن برضه عملوا عزل لنفسهم في البيت، لا قدر الله حد فيهم يكون اتنقلت له العدوى ومش باين عليه اعراض.

لما دخلت العزل كنت خايف أول يومين، خايف حالتي تتدهور ويبقا في مضاعفات، كنت بفكر في الوفاة، وأنا معزول مش هالحق أودع أهلي، بدأت أصلي وأدعي ربنا واستعنت بالقرآن الكريم، بس أهم حاجه العامل النفسي و التغذية، التغذية الحمد لله المستشفى كان متوفر فيها أكل كويس جدًا، وكانوا بيوزعوا على كله زي بعض، مافيش فرق بين طبيب مريض ومريض عادي، أما العامل النفسي كان مسؤول عنه بنسبة كبيرة أصدقائي الأطباء، اللي جوا العزل واللي برا العزل، كانوا دايما بيسألوا وبيطمنوني وبيحاولوا يدعموني، كمان كنت بكلم بناتي كل شوية فيديو و مكالمات، بأشوفهم كل دقيقة وبأطمن عليهم.

فضلت في العزل ماظهرش عليا أعراض حادة الحمد لله ولا أي مضاعفات، لحد يوم 18 مايو، عملولي المسحة الأولى، وطلعت سلبي، وبعد 48 ساعة عملولي مسحة تانية عشان نتأكد، طلعت الحمد لله سلبي، كنت طاير من الفرحة لما بلغوني إني خلاص خارج، بس زعلان إن حتى لو خرجت مش هقدر أخد بناتي في حضني، كلمت مراتي وبلغتها أني خارج بعد المغرب، وفعلًا روحت البيت.

أول مادخلت البيت إحساس مؤلم جدًا، بناتي وحشوني ومش قادر أقربلهم، مش عارفين يجروا عليا أول ما أدخل زي ما متعودين، عزلت نفسي في نفس البيت بس في دور تاني، لوحدي، مراتي كانت بتطلعلي الأكل و الهدوم من على الباب، وفضلت أكلمهم فيديو لحد ماخلصت مدة العزل المنزلي، ورجعت بيتي، فرحة ما تتقدرش إن بعد الخوف و القلق ده كله راجع لحياتي تاني.

السبب الأهم اللي خلاني أقاوم دعوات الناس ليا، كل زمايلي وأهاليهم والجيران والحالات اللي عالجتها، كلهم كلهم كانوا بيدعولي، موبايلي كل شوية يرن وحد يقولي أنا بدعيلك ووالدتي بتدعيلك وولادي بيدعولك، ده اللي كان بيقويني وبيخليني استجيب للعلاج ونفسيتي تتحسن، والحمد لله خلصت العزل و رجعت للشغل في المستشفى تاني.


هذه شهادة لطبيب تنشرها المنصة في باب مخصص، بعد التأكد من هوية الكاتب، والتحقق من شهادته عبر اتباع الطرق المهنية والقانونية اللازمة، والحفاظ على خصوصية المرضى إن أتى ذكرهم، مع عدم التدخل في صياغة الشهادة من جانبنا إلا لضبط اللغة إن كانت بالفصحى.