صورة ضوئية لموقع منطقتي

وسط البلد تودع "منطقتي": كورونا يوقف صحيفة محلية

"بعد 6 سنوات عملت خلالها في تأسيس منطقتي الجريدة الورقية والموقع، وسعدت برئاسة تحريرها وعملت مع مجموعة رائعة من الزملاء، تتوقف التجربة التي تعبنا فيها كثيرا". بهذه العبارات القصيرة وعبر حسابه على فيسبوك، أعلن الصحفي يحيى وجدي، توقف صحيفة منطقتي عن الصدور، وذلك لمصاعب مادية حاول وزملاؤه التغلب عليها، ولكنها انتصرت في النهاية.

"ساعدنا عدد وافر من المحبين والمتطوعين بالكتابة والتصوير بلا مقابل، وعانينا جميعا من ضغوط وظروف سيئة. توقف أتمنى ألا يطول، وأن نجد حلًا لاستمرار هذه التجربة التي أفخر بكونها رائعة. شكرا لكل من أحبنا".. يكتب وجدي في ختام إعلانه عن توقف جاء بعد تعايش منه ومقاومة لظروف لم يكن فيها وحيدًا، فأحبّاء منطقتي كانوا هنا، لكن الظروف أقوى.

حلم "المنطقة"

"جريدة شديدة المحلية تصدر شهريًا وتوزع مجانًا".. هكذا اختارت منطقتي تعريف نفسها منذ صدورها عام 2014 في نطاق جغرافي محدود هو منطقة البورصة في وسط البلد، والتي سرعان ما صارت بكامل شوارعها وميادينها ومعالمها وحتى بيوتها ومطاعمها قصصًا على صفحات الجريدة التي قررّ صنّاعها أن تصل ليد القراء بالمجان.

اختيار الصحافة المحلية كان قرار واعيًا من وجدي وزملائه بعد ما رأوه من استبعادها خارج دائرة اهتمامات الإعلام فيما بعد ثورة 25 يناير، وهو ما رفضه الصحفي الذي يحكي الآن للمنصّة كواليس اختيار الحلم الذي تمنى له الاستمرار "كنت أتمنى نكمل أطول فترة ممكنة، ﻷن شغلنا ده هو الاتجاه السائد في العالم من حوالي 10 سنين، وظهور فيسبوك وتويتر ساهم في تركيز الصحافة على التفاصيل الدقيقة وشؤون الفرد اللي في النهاية بتكون قطع موزاييك بتشكل مع غيرها القضايا الكبيرة".

هكذا بدأ الحلم، قطع موزاييك من تفاصيل الحياة اليومية للمواطن وشؤون ومشكلاته واهتماماته، منها ترتسم الملامح العامة للشارع ثم المنطقة ثم الحي ثم المدينة فالمحافظة فالبلد بأكمله، مثلما رأى وجدي في رحلاته الخارجية التي أثرت فيه، فكانت منطقتي وليدةً جديدةً في مصر.

يقول الصحفي "في زيارتي للولايات المتحدة اكتشفت اعتماد المواطن على جريدة الشارع ومن بعدها الحي والمقاطعة، أما الصحف الكبرى مثل نيوزويك أو واشنطن بوست ففي قائمة اهتمامتهم ليست في موضع الصدارة، خاصة وأن الصحافة المحلية أثبتت نجاحًا وجدارة في كشف قضايا مهمة، لدرجة أن حصل صحفيوها على جوائز مثل بوليتزر، وتحولّت قصصهم إلى أعمال درامية عالمية".

لم يكن تأثر وجدي بما رآه من جديد عالميًا فقط، بل وبما عايشه وتعلّمه بنفسه خلال عمله في مؤسسة اﻷخبار "مش بس المستقبل للصحافة المحلية، لكن كمان الماضي كان بيقدّرها، وخلال عملي في الأخبار بمختلف إصداراتها بحثت وعرفت من أرشيف صحافتنا إزاي كانت قبل التأميم بتركز على شؤون المواطن، لكن بعده اتلغى التعامل الصحفي بالطريقة دي، وبقى التركيز منصبّ على الأمة والمجاميع والصورة الكبيرة والواجهة وليس الفرد وشؤونه، على العكس مما كان حتى أوائل الخمسينات، حيث كان المهم هو الأمور المهمة للفرد المواطن".

خطط وطموحات

يتذكر الصحفي كواليس البدايات وما بعدها، ويسترسل في حكي ما رسمه في مخيلته من خطط طموحة للجريدة التي صدرت بتمويل مصري معتمد على الإعلانات، وكانت واحدة مما صدر عن البرنامج المصرى لتطوير الإعلام، بجانب كل من موقع زحمة ومنتدى المحررين المصريين.

"على الرغم من أننا كنا فقط 5 محررين صحفيين، إلاّ أن بقية العاملين معنا كانوا متطوعين، واختارونا حبًا في المادة وفي منطقة وسط البلد"، يحكي وجدي عن شركاء تجربته ومدى عشقهم لها، ويخص منهم بالذكر ذلك العجوز العاش لمنطقة وسط البلد والكتابة عنها "واحد من المتطوعين كان عنده تقريبًا 65 سنة، عاش 40 سنة منهم في وسط البلد، فقرر يشاركنا بحكاياته عن كل تفصيلة وبشر وحجر في هذه المنطقة اللي بيعشقها وعاش فيها حياته".

القِلّة العددية للمحررين، لم تعق فريق منطقتي عن العمل أو حتى عن رسم الخطط الطموحة من أجل مستقبل الصحافة المصرية المحلية "كان لنا مساعٍ لتدريب صحفيين على التعامل من خلال الوسائل الجديدة مع القضايا والشؤون المحلية".

كان سقف طموحنا عالي، وبظهور اﻷزمات المادية بدأ هذا السقف يتحطم، حتى هجم فيروس كورونا فكان ضربة قاصمة لنا.
- يحيى وجدي

طموح الفريق وعمله على شوارع وسط البلد بخليط من المشاعر، لا ينفي أبدًا استناده على خطط عملية تؤكد أنهم ليسوا بالهواة وأنهم قادرين على تحقيق مكاسب، كما كشف وجدي "اعتمدنا على بيزنس موديل يقدم الصحافة مقابل تمويل من إعلانات تراعي الوزن النسبي بين المعلنين الذين تنوعوا بين شركة الإسماعيلية والمطاعم والمحال التجارية في النطاق الجغرافي الذي كنا بالمناسبة نوزع فيه صحيفتنا عبر شبكة توزيع خاصة بنا. وكنا بالطبع نراعي التنويه إلى المحتوى الإعلاني وتفريقه عن التحريري".

منذ صدورها، رفعت منطقتي أهدافًا محددة ومعلنة على موقعها، وتتمثل في "تقديم صحافة شديدة المحلية بمستوى من الجودة ينافس الصحف التى تصدر على المستوى القومي، وفي الوقت نفسه توفر فرصة لأصحاب الأعمال المتوسطة والصغيرة فى الإعلان عن أعمالهم بأسعار مناسبة، وبشكل يستهدف تحديدا العملاء المحتملين الذين يسكنون فى نطاقهم الجغرافى أو يترددون عليه".

ضربة كورونا

كل التحركات والمساعي والخطط لم تكن بالسهولة التي قد تبدو عليها، فالصعوبات كانت حاضرة، وحكى عنها وجدي "واجهنا مصاعب كان منها مرور شهور علينا بدون إعلانات، ودي مصدر دخلنا الوحيد، وفي النهاية اتفقنا على خفض مرتباتنا، ونفذنا اﻷمر لمدة شهرين، لكن طاقتنا على تدبير الأمور نفدت بالفعل".

يتابع الصحفي "كان سقف طموحنا عالٍ وكنا نحلم بالتوسع بصحافتنا المحلية من وسط البلد إلى مناطق أخرى في القاهرة وخارجها، وبظهور اﻷزمات المادية بدأ هذا السقف يتحطم شيئًا فشيئًا إلى أن هجم فيروس كورونا فكان بالنسبة لنا ضربة قاصمة لم تمنعنا من التوسع فحسب، بل أوقفت أيضًا صحيفة منطقتي وسط البلد".

يصف وجدي كورونا بـ"الضربة القاصمة"، لكنه رغم هذا لم يستسلم، وحتى حين أعلن عن توقف الصحيفة، الذي استشعر قربه منذ تقرر فرض حظر التجول وإغلاق المحال والأماكن العامة في مارس/ أذار الماضي، حين تجول في شوارع وسط البلد، ليجد قرّاءه ومعلنيه قيد ضغوط قيود جديدة فرضها الفيروس.

ما زال عندي أمل بتدخل جادّ من شخص أو جهة مؤمنين بعملنا ودورنا؛ ولهذا كتبت إن ما نمر به توقف أتمنى ألاّ يطول.
- يحيى وجدي.

لا عمل وحركة تجارية مثل ما كان قبل كورونا، وبالتالي لا معلنين ولا صحيفة يحزن وجدي أن يكون هذا هو سبب توقّفها "من المحزن أن تنهدم آمالنا بسبب المال. وهناك حلول نتمنى أن تجد سبيلها للتنفيذ".

وكما امتلك الصحفي خططًا لميلاد منطقتي وتطويرها، فلديه الآن مقترحات للاستمرار "نرحب بالشراكة مع أي من المؤسسات الصحفية الحكومية أو غيرها، فالصحافة الورقية لم تمت، لكن طريقتها القديمة هي التي انتهت، والجرائد سيأتي عليها اليوم الذي توزع فيه بالمجان مثلما يحدث في الغرب وكما كنا نفعل، وتعتمد فقط على إعلان سيأتيها حين تقدم موادَ مهمةً للقارئ. وفي حالة شراكتنا معها سيتفيد ثلاثة أطراف، القارئ الذي سيحصل على صحيفة بالمجان والجريدة التي ستوزع بأرقام ضعف الحالية مما سيزيد عدد المعلنين الذين سيصل إعلان منتجهم ﻷكبر عدد ممكن".

ويختتم وجدي حديثه مع المنصّة بقوله "ما زال عندي أمل بتدخل جاد بتمويل من شخص أو جهة مؤمنين بعملنا ودورنا؛ ولهذا كتبت إن ما نمر به توقف أتمنى ألاّ يطول. خاصة وأن من سيشاركنا بأسهم ترفع رأس المال بصورة تؤمن ظروف العمل، فسيعود عليه الأمر بمكاسب، ﻷننا بالفعل نمتلك مشروع متكامل للصحافة الورقية المحلية، لم يعيقه إلاّ المال".