تصميم: يوسف أيمن- المنصة

يومياتي مع كورونا| أن تكوني طبيبة تحاول حماية جنينها دون التخلي عن المرضى

الاسم: دينا نبيل.*
المهنة: طبيبة أنف وأذن وحنجرة.

السن: 30 سنة.


أنا طبيبة أنف وأذن، وحامل في شهري الأخير، باشتغل في مستشفى ناصر العام، في شبرا الخيمة، شغالة من أول حملي في مكاني في المستشفى، مافيش حاجة اتغيرت، لحد ظهور الفيروس، والموضوع في المستشفيات العام ماكنش لسه منتشر أوي، مافيش حالات واضحة، لحد مافي شهر أبريل الإدارة قررت إنها تلغي العيادات التخصصية، وننزل كلنا استقبال، مع أن المفروض مايكنش في استقبال للحوامل، فالمستشفى عملت قرار كده أن الطبيبات الحوامل بياخدوا أجازة من أول الشهر السابع، بس الممرضات مالهمش الامتياز ده.

في الشيفت الصباحي بيكون في طبيب واتنين تمريض، كان معايا ممرضتين وإحنا التلاتة حوامل في شهور مختلفة، طبعًا فيروس جديد، ومحدش عارف ده إيه تأثيره على الحوامل، ولا نسبة العدوى بها، ولا هنتعامل معاه ازاي لو حامل اتصابت، وكل الكلام ده، وإحنا في استقبال في عيادة أنف وأذن، اللي هي الخط الأول لكل الأعراض، السخونية والكحة والصداع وكل الأعراض بتعدي علينا، يعني من كل 10 حالات بيدخلوا تقريبًا في 8 مصابين بكورونا.

زيرو حماية

طبعًا بنتعامل بزيرو وسائل حماية، يعني جاون الوقاية دي (والجاون ده البدلة الزرقا الخفيفة اللي بنلبسها في العمليات عادي) ماشوفتهاش غير مرة واحدة أول أسبوع، وبعد كده قالولنا لأ العدد مش هيكفي و مافيش أمكانيات نجيبها، وبعدين بقوا يصرفولنا كمامات، علبة كل أسبوع، فيها 20 كمامة بس، واحنا 3 أفراد في العيادة، بنشتغل 6 أيام في الأسبوع، يعني محتاجين 18 كمامة خلال أسبوع، كل يوم واحدة بس، مالكش تاني، فحتى مافيش إمكانية أنك تبدل الكمامة كل شوية.

نوع الكمامة بقا ده حوار تاني خالص، يعني الكمامة نفسها أنا أول مره أشوفها ومش عارفة الحقيقة جايبنها منين، حاجة منتهى الرداءة، وخامات سيئة جدًا، وأقلب الكمامة أحس أن دي خياطة مكن قماش مش كمامات طبية أبدًا يعني، وخفيفة جدًا مش طبقات، يعدي منها أي حاجه، فدي كمامة ممكن واحدة تنزل بها السوق، مش طبيبة بيمر عليها عشرات الحالات اللي اغلبهم مصاب، وبتتعامل مع الحلق والأنف بشكل مباشر، اضطريت أني أشتري كمامات وكحول من نفقتي الخاصة، وبقيت بجيب كل المعقمات معايا وأنا نازلة الشغل.

أول حالة جاتلي الاستقبال كانت قبل رمضان على طول، ست كبيرة شوية، جاية سخنة مولعة بمعنى الكلمة، كانت الدنيا لسه في البداية فالناس مش عارفة تشخّص أوي، لفت على المستوصفات و العيادات، واللي يدي خافض واللي يعلق محلول ومافيش بردوا الست تعبانة جدًا، لحد ماجتلي، أنا شكيت فيها فحوّلتها تعمل تحليل صورة دم كاملة، وجت النتيجة مطابقة تمامًا، وبعتها تعمل مسحة بعد كده، بس طبعًا قعدت معانا كام ساعة في الاستقبال على ما نتيجة التحليل تطلع.

الست دي من منطقة الخصوص، ودي منطقة زحمة جدًا جدًا، فتخيل كام واحد اختلط بها وهو مايعرفهاش أصلًا في المواصلات، والناس في المستوصفات دي، وعندنا في المستشفى، مكنش في مكان مخصص للعزل، ده غير إن حتى نتيجة التحليل النهائي ماجتليش، وعرفت إنها مصابة بالصدفة، لأنها ساكنة في الشارع اللي ورا أختي، وأنا بكلم أختي في مرّة حكتلي إن جارتهم جالها كورونا والناس قلقانة من الشارع ده، فعرفت إنها الست اللي كشفت عليها.

أول حالة من طقم المستشفى كان عامل أمن على البوابة، وعمته كانت في الرعاية عندنا، فكان بيطلع يشوفها، وخالط التمريض كله تقريبًا، والمصيبة الأكبر مراته حامل، وطلع إيجابي، وهي أوضة واحدة للعمال كلهم بيقعدوا فيها، طبعًا العمال والتمريض اعترضوا وطلبوا يتعملهم مسحات، فالإدراة جمعتهم كلهم في أوضة واحدة، وقالت خلاص هنعملكم التحليل، بعدين لقتيهم راجعين بتحاليل دم، فده مش مفيد نهائي، ومستحيل يتم الاعتماد عليه، وطبعًا أي حد مش ميديكال مش هيعرف أنه لا يُعتد به خالص، ده شيء في منتهى التهريج.

بعد ماقضيت السابع عملولي انتداب في وحدة صحية اسبوعين، ومجاليش فيهم حالات كورونا، بس اللي حصل كان أسوأ، تاني أسبوع رايحة الشغل كلموني قالولي ماتجيش. ليه؟ لأن في 3 من التمريض اتصابوا، بعد كده ومع كل الأعداد اللي بشوفها فأنا بقيت بتعامل مع منطقة المطرية على أنها بؤرة كبيرة بس محدش عارف وكلنا بنتعامل، المشكلة بقا أن التمريض دول نزلوا بعد 10 أيام بس من العلاج، مقضوش مدة العزل بتاعتهم.

لما روحت لدكتور النسا، اللي بتابع معاه قالي لازم تقعدي، لأن خطر الأصابة في أول الحمل وفي آخر شهر طبعًا، وآخر شهر أصعب لأن مش هعرف أولد في مستشفى عادية، وكل خطة الولادة العادية دي هتدّمر، والولادة هتكون في ظروف معينة في أماكن عزل ونتيجتها طبعًا متحاوطة بالخطر، فاضطريت أقعد في البيت.

في حالة إنكار شديدة من الحالات، يعني واحدة تكلمني تقولي أنا مش بشم حاجة بس عندي جيوب أنفية، وبكح بس نمت في التكييف، وجسمي مكسر ومصدعة بس عشان مش بنام كويس.

لما قعدت حسيت بتأنيب ضمير كده، إني سبت مكاني في الظروف دي، خصوصًا إني شخص أكتيف جدًا، وبحب شغلي والحركة، فكان صعب عليا أقعد في البيت كده، فقررت إني أتفرغ للاستشارات الطبية، فتحت كل وسائل التواصل بيا للاستشارات، عندي شوية فولورز على فيسبوك، ورقم الواتساب مع كل اللي يعرفني، وبدأت استقبل الحالات، وبستقبل رسايل طول اليوم وموبايلي مش بيبطل رن، بستقبل 50 رسالة منهم 40 واحد اشتباه، ومع الاستشارات بحاول أعمل توعية على أد ما أقدر.

في حالة إنكار شديدة من الحالات، يعني واحدة تكلمني تقولي أنا مش بشم حاجة بس عندي جيوب أنفية، وبكح بس نمت في التكييف، وجسمي مكسر ومصدعة بس عشان مش بنام كويس، وعندي إسهال بس بلغبط في الأكل بقالي كام يوم، طيب لما أنت مشخصة حالتك ومبررة كل حاجة أنا أعمل أيه؟ وده كتير بقا بيحصل بنفس الشكل، الناس مش عاوزة تصدق.

طبعًا الدولة اتبعت مؤخرًا فكرة العزل المنزلي، بس ده المفروض له شروط، لو الشروط دي مش متوفرة يتوجدله مكان تاني يتعزل فيه، زي إن لازم المريض يبقا له غرفة مقفولة عليه وحمام لوحده وأدوات لوحدة أطباق وكوبايات و هكذا، طب وده مش متوفر في مصر، بيوتنا العادية دي مساحتها مش كبيرة وهو حمام للبيت كله، فالعزل فيها مستحيل، لازم لازم هيختلط بأهل البيت كله، ده غير مين هيخدمه و يشوف طلباته، وده السبب إن بقا في أسر بأكملها مصابة.

طيب إزاي الناس هتحاول تقلّل خطر العدوى في البيت، الشخص ده يتعامل في أطباق وكوبايات بلاستيك وتترمي بعد كل استخدام وهو اللي يرميهم بإيده، محدش يمسكهم مكانه، ولما يستخدم الحمام يطهّره وراه قبل مايطلع ويحاول مايمسكش حاجات زي البيبان والأوكر، مايخرجش من أوضته إلا للضرورة القصوى يعني، لأني شوفت حالات فاهمة أن العزل ده يقعد معاهم في الصالة بس في كرسي بعيد شوية، وده مصيبة طبعًا، وجود شخص واحد مصاب في البيت معناه كل البيت هيتعدى، ده غير أن الأسر بتبقا خايفة أكتر على الأطفال، ودول إصابتهم خفيفة جدًا، ممكن شوية سخونية بسيطة تروح بخافض حرارة لمدة يوم يومين وبيبقوا كويسيين جدًا وأحسن من الكبار.

اللي ذاكر ذاكر من زمان

ومافيش حاجة اسمها بناخد أدوية تحسن المناعة من غير مانتصاب، اللي مناعته قوية من الأول خلاص، حاجة كده عاملة زي اللي ذاكر ذاكر من زمان، مافيش داعي نخزن أدوية و نقعد ناخد في فيتامينات وحاجات ملهاش أي لازمة، وبردوا هنفضل معرضين للإصابة وكل الكلام ده مالوش فايدة، إلا لو حالة مصابة بالفعل فأدوية البروتوكول دي مهمة جدًا لهم طبعًا، ده وضع تاني.

من أول بقا الموضوع ده وحصل 3 أزمات هم مصايب الحقيقة، يعني عرض فقدان الشم والتذوق ده عرض نادر جدًا، ونادر لما نشوفه في حالة واحدة، فهو عرض مميز جدًا للكورونا، وبنوعي الناس بالكلام ده، لا بتشم ولا بتدوق أنت كورونا واعزل نفسك، يجي عمرو أديب يستضيف دكتور لا هو تبع وزارة الصحة ولا هو حد يعرفه ولا أي حاجة، يقول إن دي مجرد جيوب أنفية. طيب إحنا أساسًا مش في موسم جيوب أنفية أصلًا جاتلهم منين؟ كام واحد سمع الحوار ده، أنا شخصيًا حالات كنت عزلاها في بيوتهم نزلوا الشغل تاني والحياة طبيعية، وده مش منطقي، مافيش حد بيفقد الحاستين دول فجأة يا إما حادثة عملتله مشكلة في المخ يا إما ورم في المخ، فطالما مش الأتنين يبقا دي كورونا واضحة.

بنشجع الناس تتعزل منزلي

إحنا بنشجع الناس تتعزل منزلي، وإن طالما في أعراض واضحة زي سخونية وإسهال هكذا اعزل نفسك فورًا في بيتك، وبنحاول نطمنهم، على قناة DMC جه مسؤول من وزارة الصحة قال إن أي حد يشك في الأعراض ينزل على طول للمستشفى يعمل مسحة، طب ده هيخالط كام واحد معاه وهو رايح للمستشفى، ده غير إن كل اللي هيكح هينزل للمستشفى و هيبقى في ضغط كبير على القطاع الصحي اللي هو منهك أساسًا.

ده بيحصل في وقت الجهاز الطبي بيعاني وعنده عجز أصلًا، في حين أن NHS في إنجلترا، ودي زي وزارة الصحة هنا، عملت إعلانات واضحة وصريحة جدًا في التلفزيون، كلام مباشر، عندك أعراض واحد اتنين تلاتة اعزل نفسك في البيت وكلم الرقم ده هنقولك الإرشادات اللازمة، نقلل اختلاطهم بالشارع على أد مانقدر، مانهلكش المستشفيات.

الأزمة الحقيقية بقا هي رفض الشغل إنه يدي الموظف أجازة لما يتعزل في البيت من غير تقرير يقول إنه مصاب، حتى لو عنده الأعراض، لازم ورقة رسمي، طب و الحل، الناس بتضطر تروح تعمل تحليل الدم أبو 70 جنيه عشان رخيص وده للمرة المليون مش بيبين أي حاجه، ومش زي المسحة، بالعقل كده المسحة تكلفتها 3000 جنيه فأكيد مش نفس النتيجة، فالمصاب قدامه حلين، يا يسلم وينزل يروح الشغل، يا إما يروح الصحة ويخالط عدد كبير بردو.

يعني في واحد من الحالات قرر إنه ياخد الطريق ويروح يعمل مسحة، بعد لف كتير عشان يقدر ياخد مسحة، وده طبعًا معجزة، وعمل المسحة والأشعة، قالوله النتيجة بعد أسبوع، وهي أساسًا مدة العزل كلها 10 أيام ع الأقل، والتأخير ده بسبب الضغط اللي عىل القطاع الطبي.

نقطة سخيفة جدًا وبتحصل كل يوم تقريبًا، هي الاستسهال، يعني في جروبات خاصة بينا كأطباء بننزل عليها أشعات وتحاليل كتبادل خبرات ونتتناقض مع بعض، فبنلاقي إن نفس الأشعة مبعوتة لتلاتة أربعة مننا، طيب ليه ما هنقول نفس الكلام، وأخلاقيًا مانقبلش نعدّل روشتات بعض، فليه ياجماعة بترهقوا الأطباء ليه بتخلينا مشتتين وبدل ماناخد حالات أكتر لأ بنرهق في نفس الحالة أكتر من مرة في نفس الوقت اللي ممكن يروح لناس تانية؟ وكلنا بنقدم استشارات تطوع مننا عشان نساعد فبلاش تضغطوا علينا بزيادة.

أنا طبعًا خايفة اتعدي حتى لو اخدت أجازة الشهر اللي فاضل، لأن زوجي بينزل شغله فاحتمال كبير أتعدي منه مثلًا، زي ماكان احتمال العدوى من المستشفى وارد، وعشان أنا طبيبة فبطلت أتعب نفسي في تفاصيل كتير، بس قلقي كله هو العدوى ساعة ولادة، أنا هبقا في مستشفى أكتر مكان ممكن ينقل عدوى، فكل اللي مخوفني هو ساعة الولادة والأيام الأخيرة قبلها، إنما مرحلة ما بعد الولادة لأ، مافيش خطر قوي زي دلوقتي


* هذه شهادة لطبيبة تنشرها المنصة بعد التأكد من هوية الكاتبة والتحقق من شهادتها عبر اتباع الطرق المهنية والقانونية الملائمة، والحفاظ على خصوصية المرضى إن أتى ذكرهم، مع عدم التدخل في صياغة الشهادة من جانبنا إلا لضبط اللغة إن كانت بالفصحى.