تصميم: يوسف أيمن- المنصة

البحث عن بصمة سمير سيف: أو لمّا نكبر هانكون مهمين

في أحد حوارات سمير سيف التليفزيونية المتعددة تحدث عن لقائه الأول مع حسن الإمام. لم يكن هذا اللقاء في فيلم خلي بالك من زوزو (1972) كما يؤرخ له عادة، ولكنه كان لقاءً عابرًا في شوارع وسط المدينة عندما قدّمه أحد الأصدقاء للإمام بوصفه "طالب شاطر في معهد السينما". يومها قال سيف إن محاضرة اليوم في المعهد ألقاها الأستاذ صلاح أبو سيف. بمجرد سماع اسم أبو سيف؛ تجهم الإمام فهو لم يكن من محبي مخرجي المعهد وأساتذته.

يتذكر سيف أن أفلام الإمام يتم تناولها في محاضرات المعهد بوصفها نموذجًا للأفلام الجماهيرية الخالية من المضمون. ورغم أن سيف لم يصارح الإمام بهذا الرأي السائد في المعهد، لكن الإمام يعرفه بسبب الصراع والتراشق المعروفين في الوسط الفني، إذ لم يكن الإمام من خريجي المعهد ولا من أساتذته في حين تتلمذ سمير سيف على يد الجيل المؤسس للمعهد أو المهتمين منهم بالمنهجية العلمية مثل شادي عبد السلام ويوسف شاهين وصلاح أبو سيف وغيرهم. قابل حسن الإمام سيف في ذلك اليوم بجفاء سيختفي لاحقًا عندما يصبح سيف مساعدًا للإمام في كل أفلامه اللاحقة بداية من "زوزو" الذي يعهد فيه الإمام للشاب سمير سيف بإخراج الأغنية الرئيسية وعنوان الفيلم "خلي بالك من زوزو"، مرورا بـ السكرية (1973)، وانتهاءً بـ أميرة حبي أنا (1975).

سيف ورفاق الموجة الجديدة

بدأ سيف مشواره مساعدًا لمخرج جماهيري مثل الإمام؛ لكن إنطلاقته كمخرج مرموق تزامنت مع إنطلاق موجة الواقعية الجديدة في السينما المصرية. في واحد من حواراته الغزيرة؛ أشار سيف أن لكل مخرج في تلك المرحلة "بصمة خاصة تميزه": أفلام محمد خان امتازت بالخروج من البلاتوه والتصوير في الشوارع والأماكن الحقيقية للأحداث. أفلام عاطف الطيب حملت على عاتقها هزيمة 1967 وحاولت الانتصار لجيل مهزوم حاول أن يحارب هزيمته لكن سياسات الانفتاح ضربته في مقتل. بينما اهتمت أفلام علي عبد الخالق بطرح تساؤلات اجتماعية في لحظة ملتبسة. وتدرجت أفلام رأفت الميهي من الواقع المر إلى مزجه بالسخرية الذكية حتى وصلت للفانتازيا. أما داوود عبد السيد فقد خلقت أفلامه عالمًا خاصًا من بشر موجودين في الواقع لكنهم مرسومون بخيال فانتازي خاص. وهكذا تنوعت "بصمات" مخرجي تلك الموجة كلما تقدمت المرحلة.

وسط هذا التنوع؛ اشتهر سيف بأنه مخرج أفلام الحركة، واشتهر أيضًا بأن أفلامه تحقق نجاحًا باهرًا في شباك التذاكر، وأنه "ملك الاقتباس" نسبة لأفلامه المقتَبسة من أفلام أو روايات عالمية. لكن أفلام سيف كانت شديدة التنوع لتجعل مهمة البحث عن بصمته أمرًا صعبًا، إذ قدم أفلامًا كوميدية ناجحة إلى جانب الأكشن، وأفلامًا أخرى تدور في فترات تاريخية تحتاج خلق مواقع تصوير كاملة، إلا أنه تحرك في شوارع القاهرة المزدحمة مثل خان.

ربما خلق هذا التنوع الشديد في مساره صعوبة في إيجاد هوية وتعريف له. فسيف المدرس والأستاذ المحبوب بين تلاميذه في معهد السينما حكّاء بارع وممتع، يقدم من مخزون الحكايات الممتعة للسينما المصرية وهو يشكّل ملامحها وخطها الزمني للجمهور كما يراها هو.

فأين موقع سمير سيف ابن جيل الموجة الجديدة للسينما المصرية التي بدأت في منتصف السبعينيات واستمرت حتى نهاية الثمانينيات؟ وما هي ملامح "بصمته" السينمائية؟ كانت قصة لقاء سيف الأول وغير المشهور بحسن الإمام هي مفتاحي للبحث داخل عوالمه المتعددة عن هويته التي تمزج بين تلمذته على يد الأكاديميين في معهد السينما، وبين خبرته العملية التي اكتسبها من العمل مع الإمام: مزيج من الحرفية والثقافة السينمائية الواسعة، مع عين دائمة على قلوب الجماهير في صالة العرض وأمام شباك التذاكر.


واحدة من محاضرات سمير سيف لطلاب السينما

مرحلة نور

لا يمكن مشاهدة سينما سمير سيف والبحث في ثرائها وتنوعها دون التوقف عند نور الشريف، ليس فقط نور الشريف النجم صاحب العدد الضخم من الأفلام والمسلسلات؛ بل أيضًا نور الشريف المنتج الواعي وقناص الجيل الصاعد من المخرجين والذي استطاع معه استكمال رحلة نجوميته السينمائية، ويضخ دمًا جديدًا في المشهد السينمائي السبعيناتي المتشظي بعد النكسة.

يبدأ الشريف مغامرته الإنتاجية مع سمير سيف في أول أفلامه بعد سنوات من مساعدة الإمام، ليقدما فيلمهما دائرة الانتقام (1976)، فتكون مغامرة النجم الإنتاجية والمخرج الصاعد هي إعادة حكي لقصة الكونت دي مونت كريستو التي لم تقدمها فقط السينما العالمية عشرات المرات؛ بل قدمتها السينما المصرية على الأقل مرتين مع نجميها أنور وجدي وفريد شوقي.

مغامرة الشريف كانت في محلها؛ فسيف استطاع خلق عالم جديد معاصر من هذه القصة الكلاسيكية، ولم تظهر بصمته فقط من خلال السيناريو الذي قلب القصة رأسًا على عقب، بل من خلال تنفيذه الذي نقل سينما الحركة والأعمال البوليسية لمرحلة جديدة بصورة طازجة وإيقاع سريع وذكي يعي جيدًا فنيات الصناعة والروح في صالة العرض والتي ستستمر مع سيف طوال رحلته. يستعرض سيف في الفيلم كل عضلاته السينمائية: يحرك الكاميرا من زوايا غير معتادة، يصنع التشويق من داخل الدراما، يحكي القصة من الفلاش باك، ويقدم التحية لعالم صناعة السينما في مشهد النهاية الأيقوني "أرجوك سيبني أعيش" ويوظف جميلات الشاشة من جيلين مختلفين: شويكار، وميرفت أمين في توليفة خاصة من حرفية الصناعة وروح صالة العرض التي يبدو، وكأنه يسمع لهاثها، وهو في غرفة المونتاج.

أفيش فيلم قطة على نار 1977. الصورة: موقع السينما دوت كوم

لم يوقف نجاح دائرة الإنتقام سيف والشريف عن الاستمرار في المغامرة بل في محطتهما الثانية قطة على نار (1977) ستكون مساحة التجريب أوسع عبر تقديم مسرحية أمريكية شديدة الخصوصية في سياق مصري، وتزداد الجرأة بالتعرض لمناطق شائكة مثل إدمان الخمور، والتعامل مع المثلية الجنسية بروح متفتحة. ينجح سيف في السيطرة على طاقم تمثيلي طموح يود استعراض طاقته وإمكانياته السينمائية في هذا النص المعقد. إلى جانب الشريف؛ كان فريد شوقي في مرحلة إنتقالية من وحش الشاشة إلى أدوار الأب والتي حاول تنويعها بإصرار غير عادي ليستمر في العمل حتى النهاية، وهناك أيضا بوسي الباحثة عن مساحة لإثبات موهبتها التمثيلية بعيدًا عن كونها تلك الجميلة زوجة النجم.

ينجح سيف في الاختبار وربما لم يكن ليحالف الفيلم نجاحًا في إيرادات الشباك لولا حرفتيه الشديدة وقدرته على تطويع هذه الطاقة من النجوم المصرّين على استعراض عضلاتهم التمثيلية، بالحفاظ على إيقاع سريع وجذاب لقصة قد لا تجد مزاجًا واسعًا بين الجماهير في صالة العرض.

مع عادل في مواجهة الأقوياء

رحلة سيف مع عادل إمام هي محطة هامة أخرى ستبدأ بعلاقة متوترة لكنها ستتطور ليقدما معًا ثمانية أفلام ناجحة، بعضها أيقوني. كثيرًا ما حكى سمير سيف عن لقائه الأول مع عادل إمام وعدم تصوره له كبطل في الفيلم الأيقوني المشبوه (1981). مرة أخرى يبرع سيف في اقتباس فيلم عالمي وتمصيره تمامًا. ربما ستظل شوارع بورسعيد ومينائها الشهير عالقة في ذاكرة أجيال متعددة مع كل مشاهدة. خاض سيف في المشبوه مغامرات جريئة متعددة لعل أولها ما ذكرها هو نفسه عن نقل عادل إمام من نجاح ساحق في سلسلة أفلام كوميدية، إلى شخصية ماهر المركبة والمليئة بالعذابات ومحاولات الخروج من مصير محتوم كنموذج للبطل التراجيدي.

يحكي فاروق الفيشاوي أنه أيضًا تردد كثيرًا في قبول دور الضابط الذي لن يقسو فقط على نجم الجماهير الأول بل سيضربه بشدة لولا أن أقنعه سيف بأن الفيلم سيرسخ نجوميته وسينجح في استمالة قلوب الجماهير في صالة العرض مع مشهد النهاية وإنقاذه لابن ماهر بعد مطاردة بوليسية وتسديده طلقة بعيدة ومحكمة. هذه أمور لا يصنعها سوى سيف. وتكتمل جرأة المغامرة المدروسة مع تقديمه سعاد حسني في دور مساحته أصغر من البطلين، والأصعب هو أن ينجح سيف في انتزاع التعاطف مع فتاة ليل تتوق للغفران وبدء حياة جديدة وتكوين أسرة بلا أي أحكام وبقبول تام من شريك رحلة الغفران، الذي هو لص سابق.


الإعلان التليفزيوني لفيلم المشبوه

يتجاوز فيلم المشبوه التصنيف التقليدي بأنه فيلم أكشن، بسبب تصنيف سيف نفسه كمتخصص في هذه النوعية من الأفلام، فهو يقلب الكثير من التصورات المسبقة عن بطل فيلم الأكشن ليصبح المجرم وليس الضابط منفّذ القانون، ويطرح على المجتمع إشكالية التوبة والغفران، ويضع جميع الشخصيات في صراعات داخلية معقدة تتصاعد جنبًا إلى جنب مع المطاردات البوليسية المتعددة ولهاث الجمهور المتعاطف مع المجرم التائب والحانق من الضابط القاسي ويقدم له نهاية إنسانية حيث يتقبل طرفي الصراع أخيرًا بعضهما البعض.

بعد المشبوه ستبدأ رحلة سمير سيف مع عادل إمام الذي سينتقل من خانة نجم الكوميديا لنجم أفلام الحركة، فهو البطل الشعبي الذي لا يمتلك المواصفات الجسدية لهذه النوعية من الأفلام لكنه ينتصر دائمًا في معاركه ضد الأقوياء معبّرًا عن قطاعات واسعة من جمهوره من المقهورين وأصحاب الحظ السيئ الذين يلفظهم المجتمع: في المولد (1989) ومسجل خطر (1991) لتنتهي رحلة الثنائي في نفس العام مع شمس الزناتي.

قد يكون شمس الزناتي الأكثر تعبيرًا عن سينما سيف وتوليفتها الخاصة وهذا قد يفسر تعلق الكثيرين بالفيلم حتى من الذين لم يعاصروا عرضه في 1991. الزناتي ليس فقط تتويجًا لبطولة عادل إمام الشعبية التي نمت وتطورت مع سيف، ولكنه يحمل أيضا قصص ستة أبطال آخرين من عوالم الفقراء والمقهورين. يطوّر سيف في هذا الفيلم طموحه في صناعة أفلام تدور أحداثها في أجواء الأربعينيات بعد تقديمه شوارع من نار الذي أهداه لكل من حسن الإمام ونجيب محفوظ في تحية منه لعوالم محفوظ كما صورها الإمام في أفلامه.

في شمس الزناتي يبني سيف موقع تصوير بالكامل ويبذل جهدًا عظيمًا في حدود إمكانيات الصناعة والتكنولوجيا المحدودة في التسيعنيات من أجل تقديم فيلم حركة متكامل الأركان بمعارك معقدة ومراحل مختلفة تتجاوز المعارك الكارتونية المعتادة في أفلام الثمانينيات. يلعب سيف كل ألعابه مع المشاهد: يقدم التشويق، والبطولة، والشخصيات ذات العمق الإنساني، ويداعب صالة العرض بإيحاءات عادل الإمام الجنسية المعتادة، ويبكيهم على وفاة الشخصيات التي أحبوها مثل سلامة الطفشان وسبرتو، ويرسل إشارته الخفية بأنه يصنع سيرة شعبية مشابهة للسيرة الهلالية فيقدم مشهدًا لصندوق الدنيا، حيث يشاهد الأطفال مشاهد من السيرة يحكيها الرواي ويذكر اسم الزناتي خليفة، فيمهّد لمشاهديه أنه سيقدم لهم أكثر من فيلم أكشن، وأنهم بصدد الدخول إلى ملحمة شعبية كاملة شبيهة بالأفلام الملحمية الهوليويدية الطابع لكنه يستدعي التراث الشعبي ليجذرها في السياق المصري. في شمس الزناتي يصل سيف إلى أوجّه ويضيف للرافدين اللذين شكلا تجربته السينمائية: الخبرة العملية مع حسن الإمام والدأب الأكاديمي في معهد السينما؛ خبرته الخاصة بعد أكثر من 19 فيلمًا مع أهم نجوم تلك المرحلة من ممثلين وكتاب سيناريو ومنتجين.

الاقتباس والتمصير

إلى جانب تصنيف سيف بإعتباره مخرج أفلام حركة بوليسية أو أكشن وهو تصنيف يسطّح من تجربته الثرية والمتنوعة فقد صنفه البعض بإعتباره ملك الإقتباس. بالفعل قدم سيف العديد من النصوص والأفلام العالمية المقتبسة، فقدم شوارع من نار (1984) المقتبس من إيرما لادوس والتي قُدمت في أكثر من معالجة سينمائية أمريكية، وقدّم في شمس الزناتي الساموراي السبعة، إلى جانب المشبوه المقتبس عن فيلم once a Thief، وقطة على نار من تينيسي وليامز ومسرحيته قطة على سطح صفيح ساخن، وحتى غريب في بيتي (1982) المقتبس عن فيلم فتاة الوداع عن مسرحية لنيل سايمون.

قضية الإقتباس قتلت بحثًا أكاديميًا وجدلًا فنيًا، ولعل المقياس دائما هو قدرة المقتَبِس على تقديم الفكرة في سياق مختلف يتجاوز تقديم قصة محلية موازية ركيكة. لم يكن سيف وحده من قدّم أفلامًا مقتبسة، بل لو حصرنا الأفلام التي قدمتها السينما المصرية على مدار تاريخها الحافل ستكون نسبة الأفلام المقتبَسة مفاجئة للجميع. لكن ربما التصق بسيف هذا التصنيف لنجاحه في تحويل العديد من هذه الأفلام الأصلية إلى أعمال أخرى لا تشبه الأصل مطلقًا.

هذا النجاح يعود مرة أخرى للرافدين اللذين شكلا شخصيته السينمائية. فالطالب النابه المتفوق الذي سيتحول لاحقًا لمدرس في معهد السينما والمطّلع الجيّد على السينما والأدب العالميين بحكم إجادته عدة لغات سينهل من الإنتاج العالمي المتدفق وسيدرسه جيدًا وسيمزج حسه الشعبي الذكي وفهمه للجمهور المتعطش لـ "الحدوتة" وبالتالي سيمكّنه كل هذا من تمصير أفلامه المقتبَسة وتقديم شخصيات من حواري وشوارع المجتمع المصري: مكفاحون من الطبقة الوسطى وأيضًا سكان القصور لكن في طبعتهم المصرية، بجانب أبطال العوالم المهمشة والخارجين عن القانون.

بالطبع ساعد سيف الكثير من كتاب السيناريو الكبار على حسب اختلاف قصة الفيلم مثل رفيق الصبان، وأحمد صالح، ومجدي هداية وغيرهم، لكن تظل بصمته واضحة في كل هذه الأفلام، هذه البصمة التي ظهرت في أول أفلامه دائرة الإنتقام الذي شارك في كتابته. فالكونت دي مونت كريستو في العصر الحديث لا يمكن أن يهنأ بعد انتقامه بل يحرقه هذا الإنتقام، أما الشخصيات التي تساعده فهي مزيج عجيب بين مومس تُخلص للبطل إخلاصًا مطلقًا وتكنّ له حبًا جارفًا قبل حتى أن تراه، ورفيق السجن ليس مظلومًا وحكيمًا وإنما نشال صغير. هنا تظهر براعة اختيار الممثلين ورسم الشخصيات، فمَن يصلح لدور "النُص" النشال سوى عبد السلام محمد ببنيته الضئيلة مع وجه شديد الطيبة والحميميّة، هذا النوع من الشخصيات هي واحدة من بصماته التي ستستمر في قادم أعماله.

عالم وحيد

إلى جانب الإقتباس؛ صنع سيف مع وحيد حامد ثنائيًا هامًا، فقدما سويًا عدة أفلام لعادل إمام إمام، وفيلمين لنور الشريف، بجانب مسلسلين من أجمل ما قدمت الدراما المصرية هما البشاير (1987)، وأوان الورد (2000). المفارقة أن أول لقاء لحامد وسيف كان في فيلم مقتبس وغير معتاد لكليهما لكنه واحد من أكثر الأفلام حضورًا في ذاكرة قطاع واسع من الجمهور وهو غريب في بيتي (1982)، ربما نافس سيف في هذا الفيلم أفلام الأخين محمد وعمر العزيز مثل البعض يذهب للمأذون مرتين (1978)، وخلي بالك من جيرانك (1979)، ويارب ولد (1984)، والشقة من حق الزوجة (1985)، في تقديم أفلام كوميدية ستشكل اللغة الدارجة في الثمانينيات والتسعينيات، بل إن شخصية خالدة مثل شحاتة أبو كف سيعاد استحضارها مؤخرًا ليس فقط في عوالم كرة القدم بل في ميمز فيسبوك وهو يجري نشيطًا حاملًا البقالة في طريق عودته للمنزل، وبالطبع لن ينسى أحد حنان (هياتم) سبب "سوء حالة المنتخب القومي"، ومن كان ليتخيل أو يجرؤ أن تظهر سعاد حسني مرتدية نضارة نظر سميكة وأمًا لطفل مراهق، وهي في أوج نجوميتها أوائل الثمانينيات.

لقاءات حامد مع سيف تنوعت، لكن ضربة البداية كانت أفلامًا هامة للغاية لنجمي سيف الأثيرين: عادل إمام ونور الشريف، وهما الغول (1983) وآخر الرجال المحترمين (1984)، اشترك الفيلمان أيضًا في كونهما بالأساس مسلسلين إذاعيين سابقين لحامد قرر تحويلهما لأفلام.

في الغول استمرت الجرأة والتحديات، فإمام لم يكن البطل الشعبي المعتاد كما سيقدمه حامد وسيف لاحقا في المولد (1989)، ومسجل خطر (1991)، بل هو الصحفي ابن الطبقة الوسطى الباحث عن العدالة لكنه سيحتفظ بموقع المقاتل في معركة ضد أقوياء هذا العصر، عصر الانفتاح الذي طالما شغل مخرجي الموجة الجديدة وكان السمة الرئيسية في أفلام السبعينيات والثمانينيات. يتألق عادل مرة أخرى في دور مختلف عن صورته السينمائية المعتادة، وفي مواجهته سيقدم فريد شوقي دورًا من أنضج أدواره في تلك المرحلة بعيدًا عن دور الأب المكلوم أو المضحي. لن يتخلى سيف بالطبع عن المطاردات البوليسية وإن كانت قليلة لكنها تضيف تعقيدات على صراع أبطالها؛ صراع الوجود بين الصحفي عادل والغول فهمي الكاشف حتى النهاية الدامية الشهيرة والمميزة عندما يجلس عادل في انتظار الشرطة بعدما لم يجد طريقًا لتحقيق العدالة سوى قتل الغول، لينتصر مرة أخرى عادل إمام لكل المقهورين من رجل آخر من أقوياء ذلك العصر.


مقاطع من فيلم الغول

بعد عام واحد يتشارك حامد وسيف مع الشريف ويقدمان آخر الرجال المحترمين، حيث يواجه بطل آخر أكثر هشاشة غولًا جديدًا وهو شوارع القاهرة وطبقاتها المعقدة. يبرع سيف في التصوير الخارجي شديد الصعوبة في هذا الفيلم ولا يتنازل عن تقنيات بديعة لنقل روح وإيقاع القاهرة بين محطة مصر وحتى حديقة الحيوانات، ومن شوارع الزمالك الواسعة والهادئة في هذا الزمن إلى عزبة الحرامية ومفارز القمامة.

لا توجد مطاردات بوليسية عنيفة في هذا الفيلم لكن توجد مطاردة لاهثة للزمن، لم تكن لتنجح في تكثيف مسلسل طويل في فيلم لا يتجاوز الساعتين دون قيادة بارعة من سيف، وقدرته في الإنتقال المتوازي، الـ cross cutting، بين رحلة البنت وخاطفتها الأم المكلومة، ورحلة الأستاذ فرجاني بين الشرطة ومؤسسات الدولة الرسمية والعوالم السفلية للمدينة الكبرى التي تقدم له يد العون باهتمام ونظام محكم لم يتخيله المدرس الريفي الرقيق.

الشخصيات الثانوية التي رسمها حامد بدقة، سيبرع سيف في اختيار ممثليها مثل الرائع علي الشريف في دور المعلم برغوت، أو الأستاذ مغاوري الذي لعب دوره محمد التاجي بوجهه الطفولي، تمامًا كما خلّد من قبل فؤاد أحمد في فيلم المشبوه في دور حمودة الأقرع وهو ينادي بصوته المميز على "أفيونة" الذي لعب دوره أيضًا علي الشريف وكل رفاق الزناتي مثل "جعيدي/ إبراهيم نصر" بجسده الضخم وقوته الغاشمة الممزوجة ببعض الطيبة، وغيرها من الشخصيات الثانوية التي تُظهر العناية الشديدة في رسمها وإبرازها فلا ينساها المشاهد.

رحلة وحيد حامد وسمير سيف ستستمر وتنتقل من محطة لأخرى وتتجاوز رفيقا الرحلة نور الشريف وعادل إمام، سيقدم الثنائي فيلمين مختلفين لكنهما يشتركان في تحليل مرحلة حكم مبارك عبر ثلاثين عاما، الراقصة والسياسي (1990)، ومعالي الوزير (2002).

فبعد تجاوز هزيمة 67 والنصر ثم الانفتاح ومعاهدة السلام يصبح السؤال: ماذا تبقى؟ وكيف أصبح شكل مصر؟

بخفة وذكاء شديدين ينسج الثنائي رؤيتهما لهذا الواقع الجديد مبكرًا في التسعينيات مع الراقصة والسياسي، وهو الفيلم المبني على قصة قصيرة خفيفة لإحسان عبد القدوس يقتنصها حامد ليصيغها في عوالم التسعينيات المشبعة بقصص عن علاقات عالم السياسة والتخابر مع الفنانات والراقصات التي امتلئت أرصفة الشوارع بكتب تحكي عنها.

الفيلم عبارة عن كبسولة مكثفة لقصة بسيطة بلا أكشن أو اقتباس أو مجال متسع لأي استعراض قدرات تمثيلية معقدة، لكنه خالد في الذاكرة ليس فقط بحوار حامد وجمله الشهيرة؛ بل بوعي سيف بكل هذه المفردات، فيستخدم الفلاش باك ليقدمنا إلى ماضي علاقة الراقصة مع السياسي ثم تصاعد الصراع بين طرفيها ليترك بساطة حبكة الفيلم تفرض نفسها، يطعمه قليلًا برقصات نبيلة عبيد شديدة الجمال، أو باستحضار براعته في اختيار وتحريك الشخصيات الثانوية البارزة مثل فاروق فلوكس في دور شفيق ترتر مساعد الراقصة.

لاحقًا ستتبلور مساحة حامد في نقد المرحلة المباركية المعاصرة. كقناص؛ سيدرك حامد أن هناك مساحة تركها النظام السياسي لنقده وسيوظف هذه المساحة جيدًا مع عادل إمام في أفلام تعيد إنتاج البطل الشعبي لكن بأدوار تليق بمرحلة عمرية وتاريخية جديدة مع شريف عرفة.

في 2002؛ يعود حامد للتعاون مع سيف في معالي الوزير ولكن هذه المرة مع أحمد زكي لأول مرة. في ذلك العام كان الثلاثي وصل لقمة نضجه وتجربته، كما تبلورت بوضوح مفرادات الحقبة المباركية وحدود مساحة النقد المتاحة التي طالت الوزراء وبعض أفراد الحكومة وكأن هؤلاء الوزراء منفصلين عن واقع أوسع لنظام سياسي فاسد بأكمله. ورغم ذلك كان الفيلم جريئًا في طرحه، ولعله يكون الأول في سلسلة من الأفلام والأعمال الدرامية التي ستتناول فيما بعد فساد المرحلة المباركية في حدود الخطوط الحمراء التي وضعها النظام بل إن الفيلم كان من إنتاج مدينة الإنتاج الإعلامي المملوكة للدولة.

في وسط كل هذا التعقيد ومع ممثل صعب المراس جامح الموهبة مثل أحمد زكي؛ تحرك سمير سيف كجراح بأيد رقيقة، فكوابيس معالي الوزير المخجلة والمجرمة تكبر واحدة تلو الأخرى لنتعرف على مدى إجرامه وفساده وتحلل شخصيته، داخل حالة تشويق مستمرة وكأنها حلقات مسلسلة أو علبة غامضة ملفوفة في طبقات ورق لامع، كلما حاول المشاهد نزع طبقة تتكشف له المزيد والمزيد من الطبقات. لا يحكي معالي الوزير قصته في شكل سردي تقليدي، بل يُلقي لنا قطعة تلو الأخرى ومع تجميع كل القطع يكون معالي الوزير هو الآخر قد تحطم تمامًا وتحللت روحه ليرتكب الخطيئة الكبرى ويقتل مساعده.

البصمة

يصعب تحديد ماهية بصمة سيف السينمائية فهو أخرج أفلام الكوميديا إلى جانب الأكشن التي اشتهر بها، وطوّع النصوص المقتبسة لروح مصرية تناسب العصر، إلى جانب سيناريوهات مُغرقة في تفاصيل محلية تعكس تغيرات سياسية واجتماعية مرّت بها مصر من السبيعنيات حتى أوائل الألفية. نزل بكاميرته في شوارع القاهرة المزدحمة وأبدع في تصوير حواريها الشعبية جنبًا إلى جنب مع خلق مواقع تصوير كاملة تدور في عصور وأزمنة قديمة، وهكذا طوال رحلته السينمائية ومسلسليه الأكثر شهرة البشاير وأوان الورد، حافظ سيف على العهد وجمع بين الثقافة السينمائية والتقنيات الأكاديمية التي تعلمها من أساتذته في معهد السينما من ناحية، وذكاء وحرفية حسن الإمام وحسه الخاص في التواصل مع الجمهور في صالات العرض من ناحية أخرى.

في أحد أحاديثه التليفزيونية تحدّث سمير سيف عن رفاقه في مدرسة التوفيقية الذين أصبحوا لاحقًا شخصيات سياسية واقتصادية مرموقة وقال إنهم كانوا مدركين في أيام صباهم في المرحلة الثانوية "إننا لما نكبر هانكون مهمين".

لم يخطئ وعي سيف المبكر بالبصمة التي سيتركها في تاريخ السينما المصرية الثمانينية تحديدًا والتي كانت تعاني من قلة الموارد وفقر الإمكانيات التقنية إلى جانب سيطرة قلة قليلة من نجوم الشباك بخلاف شكل تلك الصناعة وتنوعها في الستينيات والسبعينيات. جاء سيف مع جيل الموجة الجديدة في الثمانينيات ليتصالح مع الجمهور ويقدم له وجبة دسمة تسعده وتمتعه ومن خلالها تستمر الصناعة التي عشقها لتتطور ويتسلمها جيل جديد في أواخر التسعينيات وأوائل الألفينيات بعين حساسة لجمهور جديد واحتياج جديد. لكن مداعبة صالة العرض لم تمنع سيف في أي مرحلة من المراحل من التجريب وتوسيع المساحات التي يرسل بها رسائله سواء كانت جمالية في كادرات جديدة مميزة أو تقنية ليطور بها أفلام الحركة، أو سياسية حينما يبحر بهدوء حذر في مساحات الحرية القليلة والضيقة.


نُشرت نسخة أولى غير إليكترونية من هذا البروفايل في العدد 15 لمجلة المرايا.