الصحفي محمد منير في عيد ميلاد حفيده. الصورة: صفحته الشخصية- فيسبوك

محمد منير: كيف حوّل "العملاق" الظلم إلى رماد قبل أن تهزمه "البهدلة"

لعله الآن يعذرنا عن صمتنا وانزواءنا، لعله الآن في موضع أرحب، لعله الآن حر. نال حريته حينما غادر الأرض في سلام. وهو الذي رأى هذه الرحلة وتخيّلها، لعله كان شفافًا حينما صمم بنفسه تخيلًا لرحلته النهائية، إذ وضع صورته وهو عابس الوجه مطلًا علينا من السحب، ناظرًا إلينا من السماء.

الصحفي محمد منير كما تخيل نفسه من تصميمه. الصورة: صفحته على فيسبوك

محمد منير الذي عرفته حينما التحقت بالعمل في صحيفة اليوم السابع عام 2009، كان دائمًا بالنسبة لي العملاق، عملاق الجسد واللسان والقلب. لم يكن صغيرًا أبدًا، ولم يتصاغر في مواقف المواجهة، لم يسمح أبدًا للسانه أن يكون أصغر منه في المواقف التي تستدعي المصارحة والمواجهة. كانت جرأته مخيفة ومثيرة، مثيرة للحسد بالنظر إلى الأجواء التي تقال فيها، وهكذا ما إن يفتح فمه حتى نسمع الكلمات التي ندفنها جميعا في صدورنا. لا أتذكر أبدًا أنني جرؤت أن ألومه على طريقته، لكن في كل مرة نجلس فيها وحدنا كنت أقول له:
- أنت مش خايف؟ مش بتخاف؟
فكان دائما يرد بنفس الإجابة:
= يعني هاموت وأنا مش قادر أقول اللي نفسي فيه؟

لا أعرف لماذا كان يربط دائمًا بين الموت وبين كتمان ما يرغب قوله، ولماذا لا يربط بين الصراحة والخسارة. فما يقوله كان يجرده دائمًا من المناصب والمقاعد، ولكنه كان محقًا كل مرة، فحتى هؤلاء الساكتين خوفًا؛ كانوا يُطرحون عن مقاعدهم ومناصبهم، وكأن المفارقة الكبرى في حياة محمد منير، أنه كان محقًا، على الرغم من كل الخسارات التي جلبها عليه لسانه العملاق.

الموت لم يكن هاجسًا عند محمد منير، بل كان هاجسه أن يسكت، وأن يخضع، وأن يضعف لكل ما نضعف له: الخوف من الخسارة، أو حتى الخوف من الموت.

الموت هو النهاية الحقيقية التي نعرفها كلنا ونؤمن بها، ولكن في إيمانه هو بالموت؛ كان يضعه حدًا لإخفاقه في أن يقول وأن يواجه، وهكذا كان دائما يربط بينه وبين قوله للحقيقة. لم يخش الموت؛ بل كان يخشى أن يمنعه الموت من أن يقول كل ما يرغب فيه، وهكذا سارع بدخول كل المعارك، وفتح كل الصراعات، عاش أكثر مما عشنا بالتورط في المواجهات، فالحياة هي أن تعيش هذه اللحظات، لا أن تخاف.

الصحفي محمد منير في منزله بملابس النوم. الصورة: صفحته على فيسبوك

محمد منير هو الرجل الطيب، صاحب اللسان العملاق، والبدن العملاق، والخسارات اللانهائية، وإن كنا نعتبر ما يفقده المرء من مناصب وترقيات خسارات، فهو كان يعتبرها فتاتًا و"ردّة خبز". كان في قلبه متسعًا لكل الخائفين حتى هؤلاء الصغار الخائفين من الاقتراب منه في أوقات مواجهاته الصعبة، لأن المقتربين منه قد يُنكل بهم وينالهم البطش مثلما يناله، لكنه كان يبتسم ابتسامة مريرة حينما يلتقينا فجأة، فيصيح:
- دلوقتي هيقولوا أنكم قاعدين مع محمد منير. والعصافير هتنقل وهاتبقى سنتكم طين.

هو فيما يقول لم يسخر منا أو من خوفنا وضعفنا، بل كان يسخر من الظروف التي وضعتنا جميعًا بين خيارين: إما أن نكون ضعفاء خاضعين للقمة العيش ومَن بيده التنكيل بها وقطعها عن أفواه أبناءنا، أو أن نكون مثله، عمالقة حتى ولو بقلوبنا. فكان يصنع من هذا الخوف مادة للتندر، فيُسقِط عن الخوف أهم ما يلازمه وهو الرعب.

الرعب مُلازم للخوف، غير منفصل عنه، مُتحد به اتحادًا مريضًا، ولا يُنهي الرعب، سوى السخرية منه والاستهزاء به، فيتحول إلى رماد. وهكذا كان يصنع منير بخوفه: كان يحيله إلى رماد.

لعل الجانب غير المشهور في محمد منير، أنه صنع لنفسه شخصية أخرى لم يواظب عليها بسبب التقدم التكنولوجي، وهي شخصية الكاتب، إذ نشر كتابا وحيدًا سمّاه "وقائع مسروق بن مسروق" في العام 2015، ولأن الكتابة على الفيسبوك أسهل من نشر الكتب، لم يداوم على شخصية الكاتب التي اختارها وصنع صورتها على غرار تصوره لنفسه: مسروق بن مسروق. ولأن الكتب يتأخر صدورها، وهو لا يطيق أن يتأخر قول ما في قلبه؛ فلم يداوم على نشر الكتب بعد هذه التجربة.

صدر الكتاب بغلاف علبة سجائر كليوباترا مكتوب عليه من أعلى Egypt، ومن أسفله قناع لملكة فرعونية، وأعلاها كلمة "كينج سايز" كأن هذه الكلمة مفصلة عليه: مقالات كينج سايز، بالحجم العائلي العملاق. أما إهداء الكتاب، فجعله منير "إلى كل مَن سرقني وجعلني مسروقًا.. لك يوم يا سارق".

غلاف الكتاب الساخر للصحفي محمد منير. الصورة: وجدي الكومي

تحوي الصفحة الأولى من الكتاب، تعريفًا، حينما تقرأه الآن، تتوصل بسرعة إلى شخصية الرجل: "اسمي وصفتي وحالي مسروق بن مسروق. أنتمي إلى أعرق عائلات مصر وأكثرها ثباتًا على الحال، فأبي وجدي وجدود جدي كلهم مسروقون. أروي لكم وقائع يومياتي التي أعيشها حاملًا خبرة مئات السنين من صبر مسروق على ما يراه مكتوب".

مقالات الكتاب كلها ترثي وطنًا وصف منير شوارعه بأنها "شوارع المنهوبة" كما يقول في أول الفصول "الرزق يحب الخفية" قائلًا "كنت أسير في أحد شوارع المنهوبة أبحث عن رزق غير مسبب يسقط على رأسي يعينني وأسرتي على معيشة يوم دون سؤال أو إلحاف".

هذا تحديدًا حال محمد منير، إذ كان يرى أن الرزق يكفي طالما لن يجعله يسأل أحدًا، وطالما لن يضطره إلى إلحاف. ليس الرزق في تعريفه أن يكون على رأس صحيفة أو هيئة، وإنما أن يسد هذا الرزق رمقه ورمق أسرته الصغيرة بالحلال. مع ذلك لا يملك قاريء الكتاب إلا الابتسام من النوادر التي يرويها منير بسخرية، وبلغة عامية أصيلة، تنتمي للشوارع المصرية العتيقة، تجد فيها الخفة واللطافة والعفوية والطيبة، وستجد الروح الحلوة والمواقف الطيبة دون تزلف أو تصنع أو محاولة مكشوفة للكتابة بعمق. كتابة طيبة كصاحبها، وسهلة وبسيطة ككل ما كان يكتبه.

مشهد أخير: البهدلة

هذا العملاق، عملاق الروح والبدن والقلب، مع الأيام والسنوات عانى من خوف وحيد لازمه أيامه الأخيرة وهو الخوف من "البهدلة". هذه الكلمة العجيبة المشتقة من لفظة مجهولة تقاوم الاندثار، عاشت طوال هذه السنوات مع المصريين لشرح معاناتهم مع استخراج وثيقة رسمية، أو شراء رغيف خبز، أو نقل طفل من مدرسة إلى أخرى، أو السعي لوظيفة، أو إصدار كعب عمل، أو تصريح سفر، أو جواز سفر، أو أية وثيقة خروج من البلد، أو الموت.

"البهدلة" كما وصفها منير في بوسته المنشور منذ عشرة أيام؛ كانت كابوسه الأخير: " الأمر لا يتعلق بالخوف من الموت.. ولكن من البهدلة، طبعا أنا مستسلم وشايل كفني، ولن أتحدث عن مظلة الرعاية الاجتماعية والصحية وكرامة الإنسان في الكبر، فقد أيقنت في نهاية العمر أنها في وطني وهم وخدعة".

"البهدلة" الصحفية كما رآها منير كتب عنها في مارس الماضي كصحفي من الطراز القديم تربى على الصحف بشكلها الكلاسيكي المؤثر "تشاء الأقدار أن أعيش مرحلة بلاغة المانشيت وقيمة المعنى وقوة التأثير، وتشاء الأقدار أيضا أن تنتهي حياتي المهنية على مشهد بهدلة الكلمة والمهنة والمعنى على مذبحة الـ SEO من أجل الترند، وأعلم يا أخي أنا للـ سيو عبد فلا تلومني".

هذه السطور التي كتبتها لن تصل إلى منير، فهو الآن حُر، يرمقنا من مكانه، بنظراته الضاحكة، هذه السطور ليست إلا "سوناتا" للرجل الطيب الذي طلب أن يكون رثاءه كالتالي: "بعد ما أموت عاوز سيرتي الذاتية تتكون من معلومة واحدة: محمد محمد منير يوسف، شارك بصدق وبإخلاص في ثورة 25 يناير 2011".