تصميم: يوسف أيمن- المنصة

قصة مدينة الأحياء والموتى: من أين جاء التتار الجدد؟

في عام ألفين وعشرة؛ دعت مجلة وجهات نظر بعض المتخصصين لمناقشة مخطط القاهرة 2050، وقد نشرتُ مقالًا آنذاك أنتقد فيه واحدًا من ملامح هذا المخطط وهو: إزالة جبانات القاهرة والتوسع العمراني على الأراضي التي سيتم إخلائها من الأحواش، مع الاحتفاظ فقط بالمنشآت التاريخية الهامة والمسجلة كآثار، وأوضحت مخاطر مثل هذا المشروع الذي سيقضي على جزء من ذاكرة المدينة وصورتها البصرية ويمحي تراث الأجداد.

وقتها؛ أنهيت مقالتي بسيناريو كابوسي تحلّ فيه ناطحات سحاب ذات زجاج فيميه وحديد مكان الأحواش التاريخية، حاجبة ورائها آثار المماليك بقبابها ومآذنها، تتخللها وتحوطها طرق علوية مرفوعة على أعمدة محوّلة وادي ملوك وملكات المصريين المعاصرين إلى مسخ عمراني يحاكي ملاهي ديزني لاند.

لم أكن أتوقع أن يجيء يوم ليضحى الكابوس حقيقة، وأكون شاهدة على تدمير أجزاء من جبانة المماليك الجنوبية والشرقية من أجل تنفيذ محاور مرورية علوية تمزق نسيجها العمراني وتقضي على تجانسها المعماري وهويتها البصرية التي ظلت محتفظة بها على مرّ العصور.

بداية التدمير تعود لتسعة أشهر مضت وليس يوم 21 يوليو/ تموز الجاري. بدأ الأمر بتنفيذ محور مروري قبل تسعة أشهر في قرافة البساتين الواقعة جنوب الجبّانة الجنوبية، في حرم أضرحة الإمامين الشافعي والليثي (الليث بن سعد)، وهو ما تسبب وقتها في هدم عشرات الأحواش. لم يُثر هذا الخراب أي رد فعل جماعي آنذاك، إذ أن الأحواش التي هُدّمت أصحابها "مواطنون عاديون" جمعوا رفات أجدادهم في صمت وألم واستعاضوا بمقابر أخرى في المدن الصحراوية الجديدة.

على عكس عملية الإزالة السابقة؛ امتدت عملية الإزالة الثانية يوم 21 يوليو من أجل إنشاء محور مروري آخر أطلق عليه للمفارقة "الفردوس"، لتطال أحواش أسر الأرستقراطية والبرجوازية من أعيان القطر المصري. أجريت هذه الإزالات بسرعة أذهلت الجميع، حيث أغارت البلدوزرات على شارع قنصوة المؤدي إلى ضريح السلطان قنصوة أبو سعيد، أحد أواخر سلاطين المماليك، فهدمت أجزاء من أجمل نماذج العمارة الجنائزية الحديثة، وساوت البعض الآخر بالأرض في مشهد صادم مثير للأسى والحسرة والدهشة والاحتجاج والثورة المكتومة التي وجدت لها متنفسًا على صفحات التواصل الاجتماعي. وتتابعت شهادات أحفاد أصحاب الأحواش الذين لم يتم إبلاغهم بهذه الهجمة التتارية. كما تداول الناس صورًا تُظهر جمال المقابر وروعة تصميمها ولقطات للخراب الذي حل بالمكان كأنه تعرض للتو للدكّ بالطائرات أو لقصف مدفعي.

اكتشف المصريون من خلال هذا الكم من اللقطات والشهادات التي اجتاحت الميديا الوحيدة المتاحة حاليًا (وسائل التواصل الاجتماعي)؛ ضياع ثروة معمارية فريدة لن تُستعاد، ومحو ذاكرة شخصيات عظيمة من أعلام السياسة والفكر والفن والثقافة في الحقبة الليبرالية أمثال المفكر والفيلسوف أحمد لطفي السيد، والمهندس ذكي المهندس والد الفنان فؤاد المهندس والإذاعية الشهيرة صفية المهندس، والفنان محمد عبد القدوس والد الكاتب إحسان عبد القدوس، والصحفي الكبير محمد التابعي، ورئيس وزراء مصر الأسبق حسن باشا صبري، ورائد الاقتصاد المصري عبود باشا، ونازلي هانم حليم من العائلة المالكة، وبعثرة رفاتهم على قارعة الطريق بقسوة شديدة.

يحدث هذا على أرض الأهرامات مَنبت فكرة الخلود في العالم الآخر والاحتفاء بالموتى وتقديس رفاتهم، ما يجعلنا نتساءل من أين جاء هؤلاء التتار الجدد ولأي ثقافة ينتمون؟

بوست كتبته ابنة الصحفي الكبير محمد التابعي عن القرار المفاجئ بهدم مقبرة أبيها دون إبلاغها

في مقابل مَن عبّروا عن صدمتهم تجاه هذا العمل البربري؛ أخذ المدافعون عن النظام يقللون من الكارثة التي طالت هذا الإرث الثقافي بادعاء أنه لم يتم المساس بالآثار وأن الهدم جرى في المنطقة غير المسجلة، إلا أن السجال الذي دار على صفحات التواصل الاجتماعي أظهر عدم إلمام الطرفين إلى حد كبير بتاريخ مناطق الجبانات والقيمة التاريخية والمعمارية والرمزية التي تحملها.

فقطاع كبير من رافضي الهدم تحدثوا عن اعتبارات سياسية أو حتى دينية تدور حول حرمة الميت ونهي الأديان عن تدنيس المقابر والعبث برفات الأجداد، أما المدافعون فهم في غيبوبة تامة؛ يرددون أكاذيب المسؤولين دون تمحيص أو تدقيق، فيثيرون البلبلة خاصة بين الأجيال الجديدة التي هي في أمسّ الحاجة للتعرف على تاريخها وفهم معنى التراث والهدف من الحفاظ عليه لاستيعاب أبعاد الجريمة التي تم ارتكابها في حقهم ومحاولة فهم الدوافع.

هذا أسلوب الغزاة في كل العصور وليس أحفاد المصريين القدماء. فعندما تقضي على ذاكرة المكان؛ فأنت تقضي على وجود الشعب، وكأنه لم يوجد أبدًا على هذه الأرض.

مدينة الموتى

تحتوي القاهرة على خمسة مناطق للدفن أهمها على الإطلاق مُتّصَل جنائزي يمتد بطول 12 كيلومترًا من الشمال إلى الجنوب بموازاة القاهرة التاريخية شرقًا تحت سفح المقطم ويحتل مساحة تزيد عن 2300 فدان ويتكون من مجموعتين رئيسيتين: تقع الأولى جنوب وجنوب شرق المدينة وتعد أضخم مُتصَلٍ من المقابر. وتضم من الجنوب إلى الشمال جبانات: البساتين والتونسي والإمام الليثي وسيدي أبو الوفا وسيدي الشاطبي والإمام الشافعي وعمر بن الفارض والمماليك والسيدة نفيسة. ويحدها من الشرق تلال المقطم، ومن الجنوب منطقة البساتين الصناعية، ومن الشمال القلعة وجامع ابن طولون.

أما المجموعة الثانية فتقع في الشمال الشرقي وتبدأ عند سفح القلعة وتضم من الجنوب إلى الشمال الشرقي جبانات: باب الوزير والمجاورين والقرافة الشرقية للمسلمين وقايتباي والغفير، ويحد هذه المجموعة من الشرق طريق الأوتوستراد ومنشأة ناصر على تلال المقطم، ومن الغرب طريق صلاح سالم، ومن الشمال الشرقي مدينة البعوث، ويفصلها من الغرب عن القاهرة التاريخية منطقة بها منشآت عسكرية منخفضة الكثافة، ومنذ عدة سنوات أصبحت تطل عليها حديقة الأزهر.

يرجع تاريخ إنشاء جبانات القاهرة إلى القرن السابع الميلادي مع إنشاء أول عاصمة عربية لمصر، الفسطاط، وعلى مدى أربعة عشر قرنًا توسعت تلك الجبانة التي أطلق عليها القرافة، ثم استحدثت جبانات أخرى بعد ذلك حيث أضاف كل عصر من العصور اللاحقة جبانة جديدة حتى أصبح لمدينة القاهرة هذا المُتصَلُ الجنائزي الضخم. وكانت هذه الجبانات في كل العصور السابقة محل اعتناء الحكام فشيّدوا بها المساجد والخوانق (جمع خانقاه: خلوة صوفية) والمدارس والأربطة وألحقوا بها المدافن، وأيضًا الجواسق (جمع جوسق: كشك الحراسة، أو الحصن الصغير)، والقصور والمتنزهات، وما إن انتهى القرن العاشر الميلادي إلا وكانت بها مجموعة من المنشآت الدينية التي لم تجتمع في صعيد واحد مثلما إجتمعت في هذه المنطقة التي زارها العديد من الرحّالة الأجانب والعرب منذ العصور الوسطى وأشادوا بحسن بناءها وعظمة آثارها حتي شبهها الرحالة ابن جبير بـ "متحف للآثار وبإحدى عجائب الدنيا".

تضم جبانات القاهرة اليوم 78 أثرًا مسجلة على قائمة الآثار من ضمن 537 أثرًا إسلاميًا (بنسبة 15%) ترجع إلى العصور الفاطمية والأيوبية والمملوكية والعثمانية بالإضافة إلى العديد من المواقع التي دفن فيها الصحابة وكبار المتصوفة في الإسلام أمثال ابن عطاء الله وذو النون ورفاق الحلاج (في القرافة الجنوبية)، والعلّامة ابن خلدون والمؤرخ المقريزي (في قرافة باب النصر) على سبيل المثال لا الحصر.

وتشمل هذه الآثار العديد من الأنماط المعمارية فنجد المجموعات الجنائزية، Complexes Funéraires، المتعددة الوظائف لسلاطين المماليك كمجموعات قايتباي وبرقوق وإينال وقرقماس (في القرافة الشرقية)، وأهمها على الإطلاق مجموعة قايتباي التي كانت تعتبر بمثابة مدينة صغيرة مسوّرة تضم جامع وسبيل وكُتّاب وضريح تعلوه قبة بديعة ومدرسة ومقعد ورواق ورَبْع وحوض للدواب ما يزال معظمها قائمًا إلى يومنا هذا. وتعتبر مجموعة قايتباي من أروع ما أنتجته العمارة الإسلامية ليس في مصر فحسب ولكن في العالم الإسلامي برمته. كما تضم القرافة أضرحة لأئمة لهم مكانة كبيرة عند المسلمين كالإمام الشافعي والليثي (الليث بن سعد) وسيدي عقبة بن عامر وسيدي الشاطبي إلى جانب أضرحة آل البيت السيدات نفيسة ورقية وعائشة التي تتابع في شارع درب الوداع سابقًا (الخليفة حاليًا)، وهو امتداد جهة الجنوب لشارع المعز، وأطلق عليه المؤرخون الشارع الأعظم، وكان يصل في الماضي حتى جامع عمرو في الجنوب الغربي. ويضم هذا الشارع بجانب أضرحة آل البيت؛ ضريح تاسع السلاطين المماليك الأشرف خليل، وأشهر ملكات مصر شجرة الدر، وعلى مقربة من ضريح الإمام الشافعي يوجد حوش الباشا الذي يحوي مدفن محمد علي وأسرته ومدافن المماليك الذين ذبحهم.

مجموعة السلطان قايتباي. لوحة للمستشرق الفرنسي: باسكال إكزاڤييه عام 1818

تضم القرافة أيضًا خوانق (خلوات) للمتصوفة مثل خانقاه ومدرسة زين الدين يوسف شيخ الطريقة الكاملية، ومدافن مستقلة على هيئة قباب لأمراء المماليك تتابع في تناغم جميل في القرافة الشرقية، ونقلها لنا بالرسم كبار الفنانين الأجانب أمثال بوريس دافين. وتضم كذلك مدافن أسر البرجوازية والأرستقراطية ويطلق عليها أحواش وهي تشبه القصور الصغيرة، وتحتل مساحات تتراوح بين مائة متر إلى عدة مئات من الأمتار المربعة، وتحتوي على عدة مبان تطل على أحواش سماوية مشيدة غالبًا بالحجر والطوب، ووضع بعضًا من تصميماتها كبار المعماريين المصريين أمثال مصطفى باشا فهمي وحسن فتحي ومحمود رياض والإيطالي إرنستو فيروتشي.

وعند محاولتنا تحليل تلك العمارة نجدها تبدأ منذ أكثر من ألف عام ووقعت تحت العديد من المؤثرات المعمارية المختلفة تظهر بشكل جليّ في وسائل البناء والتفاصيل الهندسية، ولكنها تُعبّر في المقام الأول عن الرغبة في الإفصاح عن الهوية الاجتماعية من خلال تفاصيل المقبرة وتشير إلى الأهمية الثقافية لـ "دار الخلود" في المجتمع المصري. وما تزال مدينة الموتى في القاهرة تثير دهشة وإعجاب السائحين الأجانب وتعتبر من المزارات الهامة في الدلائل السياحية مثلها مثل شارع المعز، فهي جزء من نطاق القاهرة التاريخية المسجلة على قائمة التراث الإنساني لليونسكو عام 1979، كما أنها تعتبر مناطق ذات قيمة معمارية متميزة تضم العديد من مقابر وأحواش عدد من الشخصيات التاريخية والمسجلة كـ "تراث" طبقًا للقانون رقم 144 لسنة 2006 وتخضع لاشتراطات المدن التراثية طبقًا لقانون البناء رقم 119 لسنة 2008 و لائحته التنفيذية لسنة 2011.

كما أن التعامل على تلك المنطقة لابد فيه من الرجوع إلى وزارة السياحة والآثار لوجود العديد من المباني الأثرية، كما أن المادتين 20 و21 من اللائحة التنفيذية لقانون حماية الآثار رقم 117 لسنة 1983وتعديلاته تضعان معايير للتعامل على مثل هذه المناطق حال التطوير.

بنفس المنطق؛ هل يجب إزالة أهرامات الجيزة وأبو الهول بسبب زحف قرية نزلة السمان وارتفاع منسوب مستوى المياه الجوفية؟

شبح الإزالة بدأ في الثمانينيات

يعتبر مشروع إزالة الجبانات الأثرية لمدينة القاهرة من أكبر المخاطر التي يواجهها هذا التراث الفريد. وبدأت المنطقة تواجه هذا الخطر منذ بداية الثمانينيات إثر سيادة الاقتصاد الريعي والمضاربات العقارية التي سمحت بتكوين ثروات هائلة للمستثمرين العقاريين، فيما عُرف باقتصاد الانفتاح، فأصبحت المساحة الشاسعة التي تحتلها هذه المقابر تمثل عائقًا لهذه الاستثمارات نظرًا لموقعها المتميز وسهولة توصيلها بالمرافق. لذا فقد توالت تصريحات المسؤولين عن ضرورة نقل رفات أصحاب الأحواش إلى مناطق مخصصة للدفن في المدن الجديدة مع الاحتفاظ بالآثار المسجلة وطرح بقية الأراضي للإسكان الفاخر. إلا أن كل هذه التصريحات لم تتبلور في إجراءات تنفيذية نظرًا للمعارضة التي واجهتها آنذاك، لكن هذا لم يمنع أن يتضمن مشروع القاهرة 2050 هذه الفكرة المدمرة، ليتم البدء في أولى مراحله بالإزالات التي طالت جنوب القرافة الجنوبية وقرافة المماليك.

التحدي الثاني الذي تواجهه هذه المنطقة يتمثل في زحف الإسكان العشوائي داخل حيزها الجغرافي في صورة تجمعات سكنية حول المجموعات الجنائزية الضخمة لقايتباي وبرقوق (في القرافة الشرقية)، وحول مقابر الإمام الشافعي والتونسي (في القرافة الجنوبية)، وهذه التجمعات أصبحت مناطق سكنية متكاملة بأنشطتها الحرفية وخدماتها، بالإضافة إلى منطقة الخارطة القديمة (شمال القرافة الجنوبية)، وعرب اليسار (شمال القرافة الشرقية)، وبعض الجيوب المتناثرة داخل الجبّانات، وبالتالي أصبح هناك تداخلًا شديدًا في بعض مناطق الجبانات بين أماكن ذات وظائف مختلفة، وبجانب هذا النمط هناك سكنى الأحواش لمَن لا مأوى لهم، ويقّدر العدد الكلي لسكان المنطقة بمائتي ألف ساكن، منهم خمسين ألفًا في أحواش المقابر وحدها.

التحدي الثالث يخص ارتفاع منسوب المياه الجوفية واختلاطها بالصرف الصحي ما أدى إلى تدهور البنى الأساسية والفوقية للعديد من المقابر ذات الأهمية المعمارية الفائقة مثل حوش الخديو توفيق والبرنسيسات وحوش عائلة السلحدار التي يعود بنائها إلى نهاية القرن التاسع عشر، حيث توجد في قرافة المجاورين في صحراء المماليك.

وبدلًا من التفكير في حلول للتحديين الثاني والثالث: زحف البناء العشوائي وارتفاع مناسيب المياه الجوفية؛ تطرح الحكومة الإزالة كأسلوب وحيد للتعامل مع مشكلة المكان. بنفس المنطق هل يجب إزالة أهرامات الجيزة وأبو الهول بسبب زحف قرية نزلة السمان وارتفاع منسوب مستوى المياه الجوفية؟

تنفيذ هذه المشاريع جاء في سرعة شديدة أذهلت الجميع وصارت تُقدَّم على أنها أهم إنجازات العصر من خلال الميديا الموجهة، بينما ضاعت أصوات القلة من المتخصصين الذين حاولوا إظهار تشويه عمران المدينة وإضاعة معالمها ومحو هويتها وذاكرتها.

حلول أخرى غير الهدم

طرحنا في دراسة وضعناها في نهاية الثمانينيّات، كاتبة المقال مع آلان بونامي*، حلولًا بديلة للحفاظ على هذه الأماكن التراثية، اعتمادًا على أبحاث ميدانية وتاريخية وثّقنا فيها عمارة وعمران الجبانات بدقة شديدة وخاصة أحواش الأعيان، كأول دراسة حديثة على هذه المنطقة. وكان لهذه الدراسة، التي أظهرت أهمية المنطقة وقيمتها المعمارية والتاريخية والرمزية التي تحملها، أثر كبير في إدراجها في محيط القاهرة التاريخية واعتبارها محميّة عمرانية وتسجيل العديد من الأحواش كمبانٍ ذات قيمة تراثية. كما قمنا وقتها بوضع مخطط هيكلي حددنا فيه المناطق التي يجب إزالتها وتضم: الجيوب السكانية المحيطة بالمنشآت الجنائزية للمماليك وأضرحة الإمامين الشافعي والليثي، والأحواش الصغيرة المتدهورة التي توقفت أعمال الدفن بها. كما اقترحنا في الدراسة إنشاء حديقة جنائزية في قرافة باب النصر وتشجير منطقة الجبانات لتصبح حديقة جنائزية كبرى ومتحفًا مفتوحًا يُعرّف الأجيال الحالية والقادمة بتاريخ أعلامهم وآثار أجدادهم الفريدة.

وضعنا هذه الدراسة تحت تصرف وزير الإسكان آنذاك حسب الله الكفراوي، وأدرجتها المجموعة المصرية الفرنسية التي كانت تشرف على وضع المخطط العام للقاهرة الكبرى داخله، ثم أصدرنا كتابًا باللغة الفرنسية تمت ترجمته إلى الإنجليزية يُظهر الكنوز المعمارية التي تحتويها جبانات القاهرة، ويعتبر هذا الكتاب حاليًا المرجع الوحيد في العالم عن مدينة الموتى في القاهرة والعمارة الجنائزية للمصريين المحدثين.

توالت الأحداث بعد ذلك، ومعها ارتفعت نغمات التصريحات الداعية لإزالة الجبّانات، قبل أن تخفت وتختفي مع إدراج الجبانة في نطاق القاهرة التاريخية لتصبح جزءًا من تراث الإنسانية.

واعتقدنا أن هذه هي النهاية السعيدة.
فما الذي حدث بعد ذلك؟

لا صوت يعلو فوق صوت العاصمة الإدارية

فاجأنا الرئيس عبد الفتاح السيسي وحكومته عام 2015 أثناء مؤتمر شرم الشيخ الاقتصادي بالإعلان الرسمي عن مشروع لإنشاء عاصمة إدارية جديدة يتم نقل كل الأنشطة الخدمية إليها من وزارات وإدارات عليا وسفارات ومقار البنوك الكبرى، بجانب تحويلها إلى مدينة سكنية مليونية. ومنذ هذا التاريخ بدأت جهود المخططين في التركيز على هذه العاصمة الجديدة. أما العاصمة الحالية التي أصبحت قديمة؛ فقد تحولت إلى مجرد ممر لتسهيل الوصول إلى المقر الجديد للحكم.

ولهذا تم اختراق أحيائها بمحاور علوية سريعة قضت على الأخضر واليابس: من خطوط لترام سطحي كان بالإمكان تطويره ليساهم في حل مشكلة المرور مع الحفاظ على البيئة، وإزالة الحدائق وقطع أشجار يصل عمرها لعشرات السنين توفر بعض نفحات من الأوكسيجين لسكان العاصمة الملوثة، وتحويل شوارع هادئة إلى جحيم بعد أن التحمت الكباري العلوية بالمباني المطلة عليها في مشهد عبثي لم تعرفه أي مدينة في العالم حتى الآن.

تنفيذ هذه المشاريع جاء في سرعة شديدة أذهلت الجميع وصارت تُقدَّم على أنها أهم إنجازات العصر من خلال الميديا الموجهة، بينما ضاعت أصوات القلة من المتخصصين الذين حاولوا إظهار تشويه عمران المدينة وإضاعة معالمها ومحو هويتها وذاكرتها. في نفس الوقت؛ تُركَت القاهرة التاريخية المسجلة لمصيرها بضياع معالمها بسبب إحلال أبراج متعددة الأدوار فقيرة التنفيذ قبيحة المظهر، محل الدور القديمة التي كانت جزءًا من النسيج العمراني. فأخذت تلك القاهرة تفقد تاريخيتها كل يوم.

يصب إذن هدم أجزاء من أحواش مدافن الأعيان في شمال قرافة المماليك لإفساح مكان لـ "محور الفردوس" في خطة محو التاريخ العريق للمدينتين، مدينة الأحياء والموتى، وخطّ تاريخ آخر بإنشاء عاصمة جديدة.

هذا أسلوب الغزاة في كل العصور وليس أحفاد المصريين القدماء. فعندما تقضي على ذاكرة المكان؛ فأنت تقضي على وجود الشعب وكأنه لم يوجد أبدًا على هذه الأرض.

في النهاية أستعير تعليق الدكتور يحيى نور الدين طرّاف، أحد مَن تم تدمير مدفن أسرته دون إخطار "إن ما حدث هو صنيع دولة احتلال تحكم بالقوة الغاشمة وليس صنيع دولة منتخبة تحكم بالدستور والقانون. حتى دولة الاحتلال كانت لتُعطِي إنذارًا وتمنح وقتًا للإخلاء الكريم. إن الذين لا يتورعون عن انتهاك حرمات الموتى وترويعهم في باطن الأرض وجرفهم مع الحجارة و التراب من مراقدهم قوم لا أخلاق لهم. وهؤلاء قال فيهم شوقي: وإذا أصيب القوم في أخلاقهم .. فأقمْ عليهم مأتمًا وعويلًا".

ما يحدث الآن من طمس لهويتنا الثقافية وإزالة لموروث تاريخي سيحاسَب عليه كل من اتخذ القرار ونفذ هذه الجرائم في حق تاريخنا وكل من تواطئ وبرّر. فالجرائم لا تسقط بالتقادم.


*الدراسة بعنوان : Architecture for the dead, the Cairo's medieval Necropolis, by Galila El Kadi and Alain Bonnamy. AUC press, 2007.