ترامب يستقبل السيسي في البيت الأبيض إبريل 2017 - الصورة: البيت الأبيض، فليكر

تهنئة مقتضبة لرئيس منتخب: هل تفسد بعض الضغوط الود مع واشنطن؟

بعد ساعات من حسم الانتخابات الرئاسية الأمريكية وتأكيد فوز المرشح الديمقراطي جو بايدن بها، أرسل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي تهنئة مقتضبة لنظيره المرتقب، أكد فيها تطلعه للتعاون وتعزيز العمل المشترك من أجل تعزيز العلاقات الثنائية الاستراتيجية بين البلدين.

كانت التهنئة "مقتضبة" مقارنة بتلك التي أرسلها السيسي في نوفمبر/ تشرين الثاني 2016 للرئيس المنتخب آنذاك دونالد ترامب، والتي تضمنت تمنيات بـ "كل التوفيق والنجاح في أداء مهامه ومسؤولياته المقبلة في رعاية مصالح الشعب الأمريكي الذي منحه الثقة في القيادة"، وأحاديث عن "العلاقات الاستراتيجية الخاصة" التي جمعت البلدين "على مدار عقود كبيرة مضت"، وتأكيدات لـ "الدور المهم والأهداف المشتركة التي تحققها وتصونها تلك العلاقة في دعم استقرار منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا وحماية مصالح شعوب هاتين المنطقتين".

رأى السيسي أن انتخاب ترامب رئيسًا للولايات المتحدة فرصة لـ "ضخ روح جديدة في مسار العلاقات المصرية - الأمريكية، ومزيدًا من التعاون والتنسيق لما فيه مصلحة الشعبين وتعزيز السلام والاستقرار والتنمية في منطقة الشرق الأوسط".

هذا الاختلاف في لهجة رسالتي التهنئة لا يبدو منقطع الصلة بالانحياز الواضح للإعلام المصري، الذي تسيطر عليه الدولة بشكل كبير، في تغطية الانتخابات الأمريكية لصالح الرئيس المنتهية ولايته، حيث روج الكثير من الإعلاميين المحسوبين على النظام أن نجاح بايدن يعني عودة "الفوضى" بناء على افتراض لم يعزز بأي أدلة أن الإدارات الديمقراطية تدعم جماعة الإخوان المسلمين، التي تصنفها الحكومة المصرية "تنظيمًا إرهابيًا".


ترامب والسيسي: خصوصية فريدة

الإدارة المصرية عادة ما كانت من الإدارات العربية الأكثر تفاعلا واحتكاكا مع الإدارات الأمريكية المتعاقبة، لكن في عهد ترامب - السيسي، شهدت العلاقة خصوصية فريدة لم تتمثل فقط في حالة التضامن في ملفات كثيرة وغض الطرف عن ملفات أخرى، ولكن كذلك في الود الذي ساد جلسات الرئيسين، حيث وصف ترامب السيسي مازحًا أمام الكاميرات في أحد اجتماعاتهما بأنه "ديكتاتوره المفضل"، وامتدح أناقة حذائه في لقاء آخر.

من أبرز الملفات التي تغاضت الإدارة الأمريكية عنها في عهد الرئيس ترمب كان ملف حقوق الإنسان في مصر والذي شهد حالة من التردي بحسب منظمة العفو الدولية، مع تزايد عدد المحبوسين من السياسيين والنشطاء والصحفيين بصورة كبيرة. ولا توجد تقديرات دقيقة لأعداد هؤلاء المقبوض عليهم لكن هناك تقارير تشير إلى أنهم بالآلاف، كما تمتدت حالات الحبس الاحتياطي لمدد غير قانونية إلى سنوات في بعض الحالات.

وبدا واضحًا أن غض الطرف الأمريكي فيما يتعلق بهذا الملف لن يستمر في ظل إدارة ديموقراطية تتولى زمام الأمور في البيت الأبيض، عندما كتب 56 نائبًا ديموقراطيًا في الكونجرس الشهر الماضي رسالة في واشنطن بوست، تطالب الإدارة المصرية بالإفراج عن المعتقلين السياسيين، ونوهوا في هذه الرسالة بشكل واضح أن إدارة بايدن -في حالة فوزه- لن تتسامح مع تجاوزات حقوق الإنسان.

وقال النواب في رسالتهم إنهم قلقون من أن سوء الأوضاع الصحية والتكدس في السجون المصرية سوف يسهمان في نشر فيروس كوفيد 19 بين المسجونين.


ويوضح الناشر الصحفي هشام قاسم أن سلوك الإدارة الأمريكية وإن كان سيشهد تغيرًا إزاء مصر خاصة في الملف الحقوقي، فإنه سيبقى تغيرًا محدودًا لأن الإدارة "تمتلك حدودًا في الضغط، ولن تضغط بشكل قد يخاطر بعلاقتها بالإدارة المصرية والتي تعد ذات أهمية خاصة".

وقبيل أيام من إعلان نتيجة الانتخابات الأمريكية ومع ظهور المؤشرات الأولى لخسارة ترامب، قررت الدائرة الثانية إرهاب بمحكمة جنايات الجيزة يوم الثلاثاء الماضي، بإخلاء سبيل 416 متهمًا في عدة قضايا منها بتنظيم والمشاركة في أعمال "تظاهرات وعنف" في 20 سبتمبر، و19 قضية متنوعة من 2014 بتدابير احترازية، وهو اعتبره قاسم في حديثه إلى المنصة "نوعًا من التراجع التكتيكي من قبل إدارة الرئيس السيسي في ملف معتقلي الرأي".

ومع توقعه بأن يشهد هذا الملف تحسنًا نسبيًا قد يتمثل في الإفراج عن عدد أكبر من المعتقلين وتخفيف حدة الاعتقالات مستقبلًا، لكنه "لن يكون تغيّرًا استراتيجيًا، وستظل القبضة الأمنية هي أسلوب الإدارة الحالية للحفاظ على السلطة".

ويتفق الكاتب الصحفي محمد المنشاوي، مدير مكتب جريدة الشروق في واشنطن، مع الرأي الذي ذهب إليه قاسم بشأن محدودية قدرة إدارة بايدن على ممارسة ضغوط على القاهرة في ملف حقوق الإنسان.

ومع توقعه بأن تضغط الإدارة الأمريكية الجديدة "في ملف حقوق الإنسان خاصة الأقليات والنساء وحرية الرأي والتعبير، ربما بجعل المساعدات مشروطة، وإصدار بيانات في حال القبض على شخصيات بارزة والمطالبة بالإفراج عنهم"، فإنه يرى في حديثه إلى المنصة عبر الهاتف من واشنطن، سيكون "محسوبًا بحيث تتقدم عليه المصالح".

ويعتقد المنشاوي أن الولايات المتحدة لا تهتم بملف حقوق الإنسان من أجل حرية الشعوب العربية وإنما من أجل مصالحها الخاصة.

من جانبه يعتقد قاسم أن قيمة المعونة الأمريكية إلى مصر تراجعت كثيرًا خلال العقدين الأخيرين "ولكن أهميتها الفعلية تكمن في أنها ثاني أكبر معونة أمريكية تتلقاها دولة في العالم بعد إسرائيل، ما يعني أن مصر هي ثاني أهم دولة في العالم -بالنسبة للولايات المتحدة- بعد إسرائيل".

وتحصل مصر منذ توقيع اتفاقية السلام مع إسرائيل عام 1979 على معونة أمريكية تقدر بنحو ملياري دولار سنويًا من بينها 1.3 مليار دولار على شكل معونات عسكرية.

تحولات مصرية

غض البصر الأمريكي عن ملف حقوق الإنسان في مصر، رافقه تحول جذري في السياسة الخارجية لمصر خاصة ما يتعلق بملف القضية الفلسطينية، جاء متفقًا مع رؤية إدارة ترامب، حتى قبل أن يستلم الرئيس المنتهية ولايته مهام منصبه في يناير/ كانون الثاني 2017.

ففي نهاية عام 2016 وبعد أن أعلن ترامب فوزه بالرئاسة وقبل استلامه مفاتيح البيت الأبيض، أصدر مجلس الأمن الدولي قرارًا نادرًا بإدانة الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية ولم تستخدم إدارة أوباما حق النقض لمنع صدوره. هذا القرار، الذي أدانه ترامب عند صدوره، تقدمت به مصر -التي كانت عضوًا بمجلس الأمن حينها- ولكنها سرعان ما سحبته مع إعلان فوز ترامب بالانتخابات.

وأصدرت رئاسة الجمهورية في حينه بيانًا تؤكد فيه أن مصر سحبت مشروع القرار بعد التواصل مع الإدارة الأمريكية الجديدة التي لم تكن قد تسلمت مهامها بعد، واستجابت لطلبها بسحب مشروع القرار من أجل إتاحة الفرصة لترامب ليتعامل مع القضية الفلسطينية.

ورغم أن المرونة المصرية في التعاطي مع القضية الفلسطينية لم تصل إلى درجة تأييد قرار ترامب بنقل السفارة الأمريكية في إسرائيل من تل أبيب إلى القدس، ولكن السيسي كان واحدًا من الداعمين الإقليميين لصفقة القرن، في فترات إعدادها حيث روج لها باعتبارها فرصة ذهبية، في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر/ أيلول 2017، ثم بعد إعلانها، حتى بعد أن رفضها الفلسطينيون.


اقرأ أيضًا: قل "خطة سلام" ولا تقل "صفقة القرن": أوامر جديدة للإعلام المصري

كولاج: المنصة

ورغم من أن المنشاوي لا يعتقد أن بايدن سيعيد السفارة الأمريكية من القدس إلى تل أبيب، إلا أنه توقع أن يستعيد العلاقات الدبلوماسية الأمريكية مع الفلسطينيين ويعيد فتح مقار بعثتهم الدبلوماسية في واشنطن، كما أنه سيعيد المساعدات الإنسانية السنوية والتي تقدر بنصف مليار دولار، والتي أوقفها ترامب في وقت سابق.

كما يرى المنشاوي أنه ورغم أن الدعم الأمريكي لإسرائيل سيستمر في ظل إدارة بايدن، فإن صفقة القرن "انتهت رسميا"، وهو ما يختلف معه فيه هشام قاسم إذ يقول إنه "رغم أن صفقة القرن لم تكن إلا خطة دعائية لصالح ترامب، وأن مهندسها جاريد كوشنر (مستشار ترامب وصهره) لا يصلح للتخطيط لمنطقة الشرق الأوسط بأي حال لأنه مجرد رجل أعمال يفكر بلغة المال، ولكن هذا لا يعني أن كل هذا سيختفي بانتهاء ولاية ترمب وتسلم إدارة أمريكية جديدة السلطة".