تصميم: يوسف أيمن - المنصة

مصطفى صفوان يرحل تاركًا إرثه: مدينة الله تشمل السماء والأرض

في مطلع هذا الشهر، غيّب الموت مصطفى صفوان، عالم النفس وآخر تلاميذ جاك لاكان والمفكر والكاتب المصري المقيم في فرنسا منذ سبعين عامًا، عن عمر يناهز 99 عامًا (17/ 5/ 1921 - 7/ 11/ 2020)، لتطوى صفحة بل صفحات من الإنتاج الفكري والعلمي المتواصل على مدى ما يقرب من قرن من الزمان.

مصطفى صفوان من مواليد الإسكندرية، أسهم والده عام 1923 في تأسيس الحزب الشيوعي المصري الذي شنّ عليه سعد زغلول حربًا ضروسًا وتعرّض للاعتقال في طفولة ابنه الذي التحق بجامعة الإسكندرية وتخرج في أول دفعة عام 1934، ثم سافر إلى فرنسا عام 1946 حيث حصل على الدكتوراةوعاد إلى مصر وأمضى خمس سنوات قرر بعدها الهجرة إلى فرنسا، حسبما أوضح في مقابلات صحفية منشورة وكذلك في تقديمه للترجمة العربية لكتابه لماذا العرب ليسوا أحرارا؟ الصادر عن دار الساقي عام 2012 ترجمة الدكتور مصطفى حجازي (مكتوب على الطبعة العربية أنها بطلب من المؤلف). الكتاب صدر بعد الثورة المصرية في 2011، وإن كان صفوان حريصًا على أن وصفها بـ "الانتفاضة".

عاش صفوان سنوات البداية لنظام يوليو، فبعد أسبوعين تقريبا من انقلاب الضباط الأحرار في 23 يوليو/ تموز 1952 تم إعدام العاملين مصطفى خميس ومحمد البقري، بسبب إضراب عمالي في مصنع في كفر الدوار. وبعد محاكمة عسكرية عاجلة بالقرب من المصنع الذي جرى فيه الإضراب، تم تنفيذ حكم الإعدام علنا في خميس والبقري أمام العمال. هذا الحادث كان له تأثير شديد على صفوان، الذي يذكر أيضا أنه كان في جامعة الإسكندرية، وشاهد رئيس الجامعة وهو يجري بنفسه وراء سيارة الضابط كمال الدين حسين، الذي كان وزيرا للتعليم، ليفتح له باب السيارة ويكون في شرف استقباله، وقد جرت الحادثة أمام الطلاب.

بعدها جرت حركة تطهير في الجامعات وفُصل عدد كبير من الأساتذة من بينهم لويس عوض، وبقية الإجراءات معروفة وكلها عدوان على الحرية والديمقراطية، مما عجّل برحيله إلى فرنسا. وتذكر بعض المصادر أنه كان أحد أعضاء حلقة فرنسا التابعة للحزب الشيوعي المصري "الراية" مع إسماعيل صبري عبد الله وسمير أمين بعد رحيله من القاهرة، ولكن بسبب ظروف السرية لم ترد معلومات حول نشاط الحلقة ودورها في الوقوف ضد إجراءات حكام يوليو، خصوصا أن الجو السياسي للبلاد شهد التجريدة الكبرى ضد الشيوعيين والديمقراطيين المصريين على مدى خمس سنوات متواصلة في معتقل المحاريق بين 1959 و 1964 .

أما صفوان فقد عمل مع العالم النفسي الشهير جاك لاكان، وانخرط في حقل التحليل النفسي، وأصدر عددا كبيرا من المؤلفات الهامة بالفرنسية، من بينها مثلا الجنسانية الأنثوية (1976) وفشل مبدأ اللذة (1979) واللاشعور وكاتبه (1982) وندوات جاك لاكان (2001) والبنيوية والتحليل النفسي وغيرها وغيرها من الأعمال، بينما لم يترجم له إلى العربية إلا الكلام أو الموت.. اللغة بما هي نظام اجتماعي.. دراسة تحليلية نفسية، ولماذا العرب ليسوا أحرارا السابق الإشارة له، كما قام هو بترجمة مقال في العبودية المختارة لإتيين لابوسييه (سأتناوله بتفصيل لاحقا)، وعطيل لشكسبير إلى العامية في سياق اهتمامه الفائق باللغة، ودفاعه عن العامية بينما يعتبر الفصحى أول داعم للاستبداد، مشيرًا إلى أن المسافة بين اللغة اللاتينية وبقية اللغات التي انفصلت عنها مثل الفرنسية والإيطالية والإنجليزية وغيرها، لا تزيد عن المسافة بين الفصحى العربية وبقية اللهجات العربية.

كثرة الأمراء سوء

كفى سيد واحد.. ملك واحد..

بهذه الكلمات التي أوردها هوميروس في الإلياذة على لسان أوليس يبدأ إتيين دي لابويسيه مقاله الطويل (هو في الحقيقة كتاب إلا أن تلك كانت لغة زمانه) بعنوان مقال في العبودية المختارة، وظهر بالفرنسية للمرة الأولى عام 1530، وترجمه صفوان وقدّمه بمقدمة طويلة وشروح تتجاوز عدد صفحاتها صفحات الكتاب الأصلي، ونشره عام 1991.

سوف يجد القارئ في مقدمة صفوان لكتاب آخر صدر بعد العبودية المختارة بما يزيد على ربع قرن، وهو كتاب لماذا العرب ليسوا أحرارا؟ السابق الإشارة له، سيجد استعراضا سريعا للأوضاع السياسية التي عاشتها مصر وقادته لترجمة الكتاب. فالأحزاب السياسية في مصر الملكية مثلا لم تكن تمثل أي تيار اجتماعي فعلا، باستثناء حزب الوفد. ويضيف أنه كان هناك أيضا حزب الإخوان المسلمين الذي أسسه حسن البنا عام 1928، واستعمل اسم الله للحصول على اشكال الدعم التي أتاحت له تحويل هذا الاسم إلى سلطة سياسية زمنية.

وفي الوقت نفسه، كما يشير صفوان، كان محمد عبده قد قدّم مشروعه الإصلاحي لتكييف الإسلام مع متطلبات العصر، بينما شكّك الشيخ علي عبد الرازق لأول مرة في التاريخ الإسلامي في الأسس الإسلامية لفكرة الخلافة، ليهدم أهم الدعائم التي كان الملك فؤاد يستند إليها وهو يعدّ نفسه ليصبح خليفة المسلمين، فجاء الشيخ علي عبد الرازق في كتابه الإسلام وأصول الحكم عام 1925 ليبيّن أن الإسلام لم يعرف حكومة أو خلافة، وكل ماجاء بعد وفاة النبي اجتهاد بشري، وهو بهذا لم يهدم حلم الملك فؤاد بتسنم مقعد الخلافة وحسب، بل هدم أيضا فكرة الواحد، الحاكم الواحد.

لذلك سارع الأزهر بمحاكمة الشيخ علي عبد الرازق وفصله وشطب اسمه من السجلات وإخراجه من زمرة علماء الأزهر. وبعد عام واحد جرت أزمة كتاب الشعر الجاهلي التي كادت تودي بطه حسين ويلقى مصيرا مشابها لمصير سلفه، لولا المصادفة، التي تظل مجرد مصادفة، التي جعلت قاضيًا مستنيرًا ومحترمًا هو محمد بك نور يتلى القضية وتحقيقاتها لتنتهي بحفظها إداريا لأن الكتاب ممارسة لحرية التعبير التي نص عليها الدستور.

صفوان يضيف أيضًا أنه عاش بعد ذلك تجربة نظام 23 يوليو 1952 الذي سبقت الإشارة إلى ملامحه في السطور السابقة، من عدوان على التعددية لصالح فكرة الواحد، وإلى غياب الفلاح المصري غيابا تاما من أي مشروع سياسي، وقادته أيضا إلى أن أسباب هزيمتنا عام 1967 تكمن في طبيعة مؤسساتنا ونوعيتها وليس في الأعذار الواهية المعتادة التي تضع كل شيء على حساب الاستعمار.

تلك هي الوضعية، كما يؤكد صفوان، التي قادته للاهتمام بكتاب من القرن السادس عشر يركّز على محاولة الإجابة عن السؤال الأكبر؛ لماذا ترغب الشعوب إلى هذا الحد في الاندفاع إلى الخضوع أو أن تصبح عبيدا لفرد واحد؟

مدينة الله التي تشمل السماء والأرض

وفي تقديمه لـ مقال العبودية المختارة، يشير صفوان إلى أن القرن السادس عشر في أوروبا شهد الطفرة الكبرى التي أخرجتها من ظلمة العصر الوسيط تماما، إلا أن النظريات السياسية في هذا العصر قامت على فكرة الكل " فالجماعة الإنسانية جزء من الكل الذي يستمد وجوده من وجود الله"، و"كل مجتمع أرضي عضو في مدينة الله التي تشمل السماء والأرض" بنص كلمات صفوان الذي يضيف أنه بينما كان العصر الوسيط يلفظ أنفاسه، ولد لابويسيه في فرنسا ابنا لطبقة ميسورة مثقفة والتحق بجامعة أورليان، وحصل على درجته العلمية عام 1553، وانخرط في سلك القضاء، ومات بعد سنوات قليلة إثر مرض غامض.

أما مقال العبودية المختارة، فيرجح صفوان أنه كُتب خلال سني دراسة لابويسيه الجامعية، مستعينا بمناقشاته مع زملائه وأيضًا بما اكتسبه من الإحاطة بعلوم التاريخ والقانون، وقد قام بعض هؤلاء الزملاء بنسخ المقال، وسرعان ما أصبح سلاحا في يد مناهضي الملكية. وظل تتناقله الأيدي ولم ينشر في كتاب إلا عام 1792 حيث طُبع العديد من الطبعات متضمنا شروحا وتفسيرات وشروحا على الشروح، وآخر رأي يورده صفوان يتناول الكتاب يعود إلى عام 1983 لأستاذة جامعية فرنسية. إلى هذا الحد ظل ماكتبه المؤلف المغمور مؤثرا.

على أي حال، يبدأ مقال العبودية المختارة بكلمات أوليس، كما سبقت الإشارة، في إلياذة هوميروس "كثرة الأمراء سوء.. كفى سيد واحد.. ملك واحد". وهنا يعلقّ لابويسيه "لو أن هوميروس اكتفى بالقول إن كثرة الأمراء سوء لأحسن"، وما يلبث أن يضج صارخا أنه لا يفهم كيف يحتمل الناس والأمم طاغية واحدا "لايملك من السلطة إلا ما أعطوه، ولا من القدرة على الأذى إلا بقدر احتمالهم الأذى منه"، كيف لهؤلاء الملايين أن "يخدموا في بؤس وقد غُلّت أعناقهم؟ لو كان الأمر بقوة الحرب والاحتلال لما أحس أحد بالدهشة ولا الرثاء، بل الصبر على المكروه والاستعداد لمستقبل أفضل".

ويضيف لابويسيه أن أي طاغية لا يحتاج إلى محاربته وهزيمته، بل يكفي ألا يستكين الناس لاستعباده والامتناع عن عطائه. فالشعب هو الذي يقهر نفسه بنفسه، وهو الذي ملك الاختيار بين الرق والعتق فاختار الرق.

المقال في جملته صرخة واحدة تتردد وتعلو رويدا دون أن تهن لحظة واحدة. تتعدد مستوياتها لكنها لا تخفت. إن قهر الشعوب تم بالشعوب ذاتها "فأنّى له بالعيون التي يتبصص بها عليكم إن لم تقرضوه إياها؟ وكيف له بالأكف التي يصفعكم بها إن لم يستمدها منكم؟ أنّى له بالأقدام التي يدوسكم بها إن لم تكن أقدامكم؟ كيف يقوى عليكم إن لم يقو بكم؟ كيف يجرؤ على مهاجمتكم لولا تواطؤكم معه؟ أي قدرة له عليكم إن لم تكونوا حماة الص الذي ينهبكم، وشركاء للقاتل الذي يصرعكم، خونة لأنفسكم".

ولا يطلب لابويسيه إلا الامتناع عن مساندة الطاغية فحسب. إن الحرية كما يؤكد حق طبيعي وهبتنا الطبيعة إياه. ونحن لا نولد أحرارا فحسب، بل نحن مفطورون على الدفاع عنها. ولكن الشعب متى تم خضوعه، يسقط في هاوية النسيان العميق لحريته، ويسرع إلى الخدمة طواعية، وما تلبث العادة أن تسيطر علينا، كما أن الناس يسهل تحولهم تحت وطأته إلى جبناء مخنثين، ولذلك يستخدم الملوك المرتزقة الأجانب في شن الحروب خوفا من ترك السلاح في يد الرعايا.

كما أن الطغاة متى استتب لهم الأمر، يقومون بتصفية كل رجل ذي قيمة من رعاياهم، وعلى مرّ التاريخ قاموا بإلهاء الشعوب بـ "المسارح والألعاب والمساخر والمشاهد والمصارعين والوحوش الغريبة والميداليات واللوحات.. هذه المخدرات وغيرها كانت لدى الشعوب القديمة طعم عبوديتها وثمن حريتها وأدوات الاستبداد بها"، وفي كل عهد هناك أربعة أو خمسة يستمع لهم الطاغية، يقرّبهم إليه ويتقربون منه. ليصبحوا شركاءه ومقاسميه فيما ينهب، وهؤلاء يتبعهم بضعة آلاف توكل إليهم مناصب الدولة وحكام الأقاليم: أتباع يتبعون أتباعًا، ومن هنا جاء خلق المناصب الجديدة وفتح باب التعيينات والترقيات من أجل أن تزيد سواعد الطاغية.

ولنتذكر فقط أن هذه السطور وردت في مقال مجهول يعود تاريخه إلى القرن السادس عشر، وتأمل إلى أي حد ينطبق على زماننا والأزمان التي تسبق زماننا. الطاغية يرى الآخرين يتزلفون إليه، ولا يعملون بما يقول به فحسب، بل عليهم أن يخمنوا ما يفكر فيه، وأن يروا ما يراه وينزلوا عن أعينهم وأرجلهم وأيديهم. كذلك لايستطيع المقربون من الطاغية الاطمئنان إليه، مادام قد تعلم منهم أنه قادر على كل شيء، وأنه لا حق ولا واجب يجبرانه.

ويواصل لابويسيه صراخه "كيف يقضي المرء أيامه يفكر كيف يرضي الطاغية، وأن يكون عونا دائما له وأذنا تتحسس الضربة القادمة؟". وقبل أن ينهي مقاله يشير إلى أن الشعب لا يتهم الطاغية أبدا بما يقاسيه، وإنما ينسبه إلى مساعديه الذين تمزق سمعتهم وسيرتهم، وتمرغ عظامهم في الوحل بعد موتهم، فأي جزاء هذا؟

أخيرا..

وداعا مصطفى صفوان الذي أضاف إلينا وإلى الإنسانية الكثير والكثير.