تصميم: يوسف أيمن- المنصة

عن النحافة: الجانب الآخر للخجل من الجسد

في طفولتي، اعتدتُ محاولات نساء العائلة لتسميني كدجاجة منزلية، كن ينهرن أمي، ظنًا منهن أنها لا تطعمني كفاية، ولهذا أبدو بتلك الهشاشة. "انتي مبتأكليهاش ولا إيه" كان السؤال الدائم الذي اعتادت أمي الإجابة عنه بالنفي كلما ظهرنا معًا في التجمعات الأسرية، رغم ذلك، كان الجزء الخاص بالعائلة هو الأقل إيلامًا.

عندما وصلت إلى المرحلة الثانوية، لم أظن نفسي جميلة قط. اعتدتُ الاعتقاد أن أية فتاة في مثل عمري هي بالتأكيد أجمل مني، أما أنا فكنت قشة يمكن للريح أن تحركها. فتاة في السادسة عشرة من عمرها وتشعر بمثل هذه الضآلة، كل ما أرادته كان التلاشي. أحسست بغربة شديدة داخل جسدي، كأنه مستعار، أرتديه وليس لي. ربما لهذا السبب صُدمت حين علمت أن جارنا الطالب الجامعي صاحب السيارة الفيات 128 الحمراء معجب بي، ويسير ورائي بسيارته كل صباح وأنا في طريقي إلى المدرسة.

لم يخبرني أحد حينها أن المقاس 2 كان هدفًا لعارضات الأزياء، وأن جسدي الذي أمقته، حُلمًا يقض مضاجع البعض. ربما لهذا لجأت في سنواتي الأولى بالجامعة لزيارة طبيب تغذية.

كان هدفي الأول هو تحويل الوعاء الذي يحتويني إلى آخر قادر على إثارة الإعجاب، إعجابي أنا أولًا، قبل أن يكون إعجاب الآخرين. أردت بشدة أن أنظر إلى المرآة وأراني جميلة.

لم تكن التعليقات العائلية وحدها ما دفعني للتشكيك في ذاتي وفقدان الثقة في نفسي، بل ما تلقيته أيضًا من إهانات خلال سيري في الشوارع، إذ كانت التعليقات مثل نصال تنغرز في روحي. "عود قصب"، هكذا اعتاد بعض الرجال الإشارة إليَّ في الطرقات ووسائل المواصلات العامة. كان تنمرهم واسع النطاق، ويشمل أحيانًا أدق المناطق حميمية في جسدي. جردوني تارةً من ملابسي، وأخرى من أنوثتي، "فلات" لم تكن كلمة شائعة حينها، لكنهم استخدموا مرادفاتها، سائلين إياي عن ثديي وكأنه شأن عام، من حق الجميع التداول حوله.

لم يكن هناك عيب في جسدي سوى أنه يحرق الطعام بسهولة، خاصةً وأنني كثيرة الحركة، لكنني صممت على حقنه كل أسبوع بمجموعات مختلفة من الفيتامينات، على أمل أن أقطف ثماره في المستقبل نظرات إعجاب عوضًا عن تلك التي اعتدت عليها طوال حياتي، وخلال عام واحد حللتُ في وعاءٍ جديد، أكثر رحابة، غير أنه لم يغير الكثير من إحساسي بنفسي.

كانت العشرة كيلو جرامات الزائدة تبرز الأنوثة عبر ملابسي، لكن روحي الضئيلة ظلت كما هي، فقط ارتدت جسدًا جديدًا، حلة أخرى مستعارة، أما أنا فظللتُ تائهة ما بين الأحجام المناسبة لمنظور الجمال المجتمعي، أحصد كلمات استحسان إلا أنها كانت بمثابة عنف من نوعٍ آخر يخترق خصوصية جسدي، وللمرة الثانية أشعر بالرغبة في التلاشي.

كأنني ولدت البارحة

حب الذات لم ينبت لديَّ طبيعيًا كزهرة تتفتح في ربيع العُمر، بل كان طريقه محفوفًا بالألم. أحببت عدة مرات، وفي كل مرة كان الرجل الذي أحبه يرغب في تغيير شيء ما في جسدي؛ أن أزيد بضعة كيلوجرامات، أن أفقدهم، أن أتخلى عن علامات الجروح القديمة في قدمي والتي نتجت عن طفولة سعيدة وذكريات ركوب الدراجة حتى المرحلة الثانوية، أن أكتسب لون بشرة أفتح، لأن سمرتي الناتجة عن صيف زاخر برحلات البحر لم تكن حينذاك أمرًا مستحبًا، وغير ذلك من التعديلات الواجب إجرائها على تاريخ الجسد، كأنه لم يعش يومًا على الأرض، أو كأنني ولدتُ البارحة.

كان يجب أن أتعلم بنفسي كيف أحب جسدي، كيف أتقبله من أجل أن يتقبله الآخرين.

أدركت في الخامسة والعشرين من عمري، أن أحدًا لن يمنحني صورة شخصية أكثر جمالًا، إن لم أمنحها لنفسي أولًا. وكان عليَّ حينها أن أخضع لتدريباتٍ كثيرة أمام المرآة، باحثة عن مواطن الجمال في وعائي الأرضي، ومثل نارسيس عندما سقط داخل نفسه في ماء البحيرة، كان يجب أن أسقط أنا الأخرى في مرآتي.

حينها بدأت مرحلة استكشاف ما وراء الجسد، ما هو أكثر من الإناء الذي يحتوينا، وقبل أن أعطي جسدي حريته بتعلم حركات الرقص أمام المرآة، أعطيت ذاتي الفرصة لترى الروح الثائرة المتمردة المدفونة تحت الجلد. خرجت للثورة في الشارع، وانضممت لجموع المتمردين الحالمين في الميدان الكبير، لكن الثورة الحقيقة كانت انتفاضة داخل نفسي.


اقرأ أيضًا: جسدي لوحة فنية: كلك جميل يا حبيبتي ليس فيك عيبة


علَّمني الشارع أن أرد الإهانات لأصحاب الإهانات، وألا أترك أحدًا يخترق مساحتي الخاصة، أن أرفع صوتي وأن أطالب بحقي، وكلما كففتُ عن النظر إلى الأرض خجلًا أثناء سيري في الطرقات -كمن ارتكب جرمًا- كانت روحي تتحرر أكثر، وبدأت ألمح أولى علامات حب الذات تزهر في نفسي، قيامة صغيرة، قام خلالها جسدي الذي أمقته من باطن الأرض الخربة، معلنًا عن وجوده.

حتى أكون أكثر صدقًا؛ لم أستطع يومًا مواجهة العالم دون أبي، الرجل الوحيد الذي لعب دورًا هامًا في مساندتي، إذ كان ظهرًا اتكأت عليه بعد مشاجرات الشوارع. لم يخذلني أو يطالبني بالخجل، بل حثني على مواصلة ما بدأته، قائلًا "ردي الإهانات وهاتفيني لأجهز عليهم". كانت نظرات الإعجاب في عينيَّ والدي بعد كل مواجهة خضتها، هي التي ولد منها إعجابي بنفسي.

منذ ثماني سنوات، كانت المرة الأولى، بعد صراع داخلي طويل، التي أنظر لوجهي في المرآة، وأرى انعكاسي جميلًا. واليوم، على الرغم من أنني فقدت العشرة كيلوجرامات الزائدة عني، وعدت كما كنت، نحيفة وقشة، لم تعد نظرتي لشخصي كما كانت، محصورة في الشعورِ بالعار، بل على العكس من ذلك، أصبحت أشعر بالخفة، وأكثر اتصالًا بالوعاء الذي يحتويني، لأنه هبة، مُنحنا إياها لتطأ قدمانا الأرض، ونخوض التجربة.