سولافة مجدي وحسام الصياد- الصورة: فيس بوك برخصة المشاع اﻹبداعي

أين تذهب الرسائل يا جدتي: كيف يقضي خالد حياته في غياب أبويه المسجونين؟

تحمل تغريد زهران، والدة الصحفية سولافة مجدي، مشقة أكبر من المشوار الذي تقطعه لزيارة ابنتها المحبوسة وزوجها منذ أكثر من عام، وأثقلُ من أكياس تحملها لدى عودتها إلى المنزل في الظهيرة: كيف ستجيب حفيدها خالد عن أسباب مغادرتها في ساعة مبكرة من الصباح وغيابها عنه تلك المدة؟

تعودت الجدة، منذ فترة طويلة، اختلاق الأكاذيب لتبرير اختفاءها عن حفيدها خلال الزيارات الشهرية ﻷمه في السجن، لكنها لا تزال غير قادرة كفاية على مجاراة خياله الخصب وأسئلته الكثيرة، وتقديم أسباب وجيهة تبرر غياب والديه كل تلك المدة، فيما لم تعد كذبتها اﻷولى بأنهما مسافران بغرض العمل قادرة على إقناعه بعد مرور أكثر من عام على الغياب التام دون أي وسيلة اتصال معهما.

ألقي القبض على سولافة وزوجها حسام الصياد في نوفمبر/ تشرين الثاني 2019 من أحد المقاهي بالدقي، قبل أن توجه لهما نيابة أمن الدولة العليا تهم من بينها "الانضمام لجماعة إرهابية ونشر أخبار كاذبة" وتأمر بحبسهما على ذمة القضية 488 لسنة 2019، وهو الحبس الذي تجاوزت فترته السنة حتى اﻵن.

درجة أخرى من القسوة تتحملها الجدة هي التظاهر بأن كل شيء على ما يرام "الأمر مكنش سهل خالص، فجأة بنتي وجوزها اتاخدوا من الشارع، وبعد أيام لما عرفنا نشوفها ونطمن عليها قررتْ واتفقت معايا إننا هنقول لخالد إنها وباباه مسافرين علشان نفسية الولد، ولأنه صغير مش هيفهم يعني إيه سجن" تقول الجدة تغريد للمنصة.

انتهت مبررات الغياب كما تشرح تغريد "في الأول كان الولد مصدق إنهم مسافرين ولما بيسأل ليه مش بيكلموه في التليفون أو فيديو كول، بقول له إن هما في مكان شغل بعيد ومفيش شبكة، ومع الوقت الأسئلة بقت بتزيد ومعاها الحجج علشان الطفل يصدق، اﻷمر مش سهل خالص، بس يهون علشان مصلحة ابن بنتي اللي مش عاوزاه يتأثر بالظروف اللي حصلت، واللي هما أصلا ملهمش ذنب فيها ولا أنا عارفة بنتي وجوزها محبوسين كل ده ليه".

في مايو/آيار الماضي، طالبت منظمة العفو الدولية السلطات المصرية بوضع حد لما وصفته بـ"قمعها المتواصل لوسائل الإعلام"، و"الإفراج فورًا، ودون قيد أو شرط، عن جميع الصحفيين المحتجزين"، وكذلك دعى عمدة باريس إلى إطلاق سراح السجناء السياسيين واحترام حرية الصحافة، في مناسبة حصول سولافة مجدي على جائزة الشجاعة الصحفية التي تقدمها مؤسسة الإعلام النسائية الدولية لعام 2020، كما تقدم المحامون بمذكرة تطالب بالإفراج عن أحد الأبوين لرعاية الطفل طالما يخضعان للحبس الاختياطي على ذمة قضية، وفقًا لما ينص عليه القانون، استنادًا إلي مبدأ المصلحة الفضلى للطفل، وهو مبدأ مستمد من المادة الثالثة من إتفاقية الأمم المُتحدة لحقوق الطفل، التي وقعت عليها مصر، وكذا المادة 488 من قانون الإجراءات الجنائية، لكن لم يتم الرد على طلبات المحامين منذ سبتمبر/أيلول 2019، كما يقول محاميهما نبيه الجنادي للمنصة.

وفي محاولة من الجدة للبحث عن وسائل مختلفة للإجابة عن استفسارت حفيدها الذي يبلغ من العمر سبع سنوات، اقترحت على خالد أن يبدأ في كتابة الرسائل إلى أبويه وإلقائها من النافذة حتى تطير إليهما فيقرآها، حتى وإن لم يمتلكا قدرته السحرية نفسها على تطيير الرسائل لتعود إليه إجاباتهما على ما كتبه لهما. "خالد طفل وخياله واسع، وأنا بحاول أخليه يفكر إنه يبعت لهم رسايل وهما هيشوفوها ويقروها بس مش هيعرفوا يردوا عليها، وبقى بيكتب رسايل بالفعل ويطيرها على أمل أنها توصلهم، أو يسجل لهم فيديو على نفس الأمل".

لكن الجدة الخلّاقة تخشى ألا تصمد قدرتها على ابتكار حيل جديدة أمام طول مدة الحبس التي لا تعرف متى سينتهي "مع طول المدة الولد بقى بيتهمني إني بأكدب عليه ومش مصدق إنهم كل ده مش عارفين يكلموه أو يتواصلوا معاه، وأنا كل ده ملتزمة بالاتفاق وبأكد إنهم مسافرين بس يقدروا يقروا رسايله وجواباته".

غير أن تلك الرسائل التي يطيّرها خالد من نافذته لا تضيع في النهاية، بل تذهب حكايتها وكل ما يستجد من أخبار عن أيامه الصغيرة إلى أمه في السجن، وإن لم تسعف تغريد مدة الزيارة التي لاتزيد عن 20 دقيقة في الشهر، فإنها تقسم دقائقها نصفها لأخبار خالد والباقي للاطمئنان على ابنتها وزوجها "10 دقايق من الزيارة بالضبط بيكون كلام عن خالد وإنه كبر إزاي وإيه اللي اتعلمه جديد، والرسايل اللي بيبعتها لسولافة وحسام، والنص التاني من الزيارة بيكون كلام عن حسام نفسه وأخباره وصحته".

يحرص المقربون للأسرة وكذلك أصدقاء سولافة وحسام، على زيارة الطفل واللعب معه لتعويضه غياب والديه، لكنها زيارات تجلب معها ثقلًا آخر عندما يطرح الطفل سؤاله الوحيد تقريبًا هو "بابا وماما هيرجعوا إمتى" تقول الجدة قبل أن تستغرق في لحظة صمت خلال حديثها الهاتفي مع المنصة "أنا مش كبيرة في السن أوي، بس الأزمة ده قاطمة وسطي، مسؤولية خالد والأمور الخاصة بيه بأعملها كلها وأنا مش عايشة ومش حاسة أعيش تاني لما ترجع بنتي لحضني وحضن ابنها". تضيف " أنا بأعمل لخالد كل حاجة، بس محدش هيعوض غياب أمه وأبوه اللي بقى يقول إن البيت وحش علشان هما مش فيه، وإنه نفسه يقول لمامته الحاجات اللي بيتعلمها في المدرسة. ونفسه إنها تروح توصله أول يوم دراسة، وإنهم يشوفوه بلبس المدرسة الجديد زي باقي صحابه".

لعل المدرسة هي الحلقة اﻷسهل في حياة الحفيد وجدته التي لم تحتج إلى مجهود كبير لشرح اﻷمر لمدرسيه ومطالبتهم بإخفاء السبب الحقيقي لغياب والديه عنه "الحقيقة إن المدرسة متعاونين حتى من قبل ما أطلب ده لأنهم كانوا بيحبوا سولافة جدًا، أول ما بدأت أتكلم مع المدرسين وأعرفهم إحنا بنقول لخالد سبب الغياب إيه؛ لقيتهم مقررين إنهم ميفتحوش الموضوع قدام الولد خالص لأنه في سن ميستوعبش الخبر ده ولا هيفهمه".

في إجازة نهاية اﻷسبوع، يصور خالد فيديوهات ﻷمه يخبرها عن تفاصيل حياته وأسنانه التي سقطت والمواد الدراسية التي يحبها، كما يهديها أحدث ما حفظه من أغان، قبل أن يعدها بمقطع جديد يسجله لها في اليوم التالي باستخدام هاتف جدته، التي لا تكفيها براءة حفيدها لتهون عليها ما تعيشه من أزمة مركبة بين اﻷلم والانتظار، ولا تجد من عزاء سوى الابتهال بالدعاء إلى الله أن يرحم أربعتهم ويعيد ابنتها إلى حضنها ويعيد حفيدها إلى حضن والديه.


اقرأ أيضًا: اكتئاب وأسئلة صعبة: أثر الغياب على طفل يفتقد الأب السجين